العودة   الشبكة الليبرالية الحرة > الأقسام الأدبيّة والثقافية والاجتماعية > منتدى رواق الكتب

الملاحظات

قائمة الأعضاء المشار إليهم في هذا الموضوع:

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 02-01-2021, 08:41 AM
mohammad alkazimi mohammad alkazimi غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Jun 2020
رقـم العضـويـة : 46989
العمر: 56
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 75
أعجبني: 0
تلقى إعجاب 2 مرة في 2 مشاركة
منشن: 0 مشاركة
الإشارات: 0 موضوع
Icon1 السر الأعظم والخلق الأول

السر الأعظم والخلق الأول

لا بُد من الإشارة هُنا أنَّهُ عندما يظهر السر الأعظم فذلك أذان للبشرية لتستقبل مرحلة جديدة وحاسمة ومستقرة من تاريخها الطويل على الأرض.
وعليهِ فنحن الآن بصدد تغيير وتعديل مفاهيم علمية راسخة في أذهان الناس ومعتقدات فكرية متجذرة في تاريخ الشعوب وفلسفات وأساطير سحرت العديدة من البشر.
إذاً فليستعد الإنسان لما هو قاد ولم يعد سراً مخفياً في الزمان!
إنَّ أهم تحدي يتوجب على الإنسانِ مواجهتهُ بعد ظهور السر الأعظم هو في إعادة صياغة العلوم المادية والدينية كذلك الروحية التي اعتاد التعامل معها منذ زمنٍ بعيد، وبذلك الأسلوب الذي يجعلها مقبولة لدى العالم الجديد من خلال المفاهيم الجديدة المعاد تكونها الآن، فهذا الأمر إنما يشمل الناس أجمعين دون استثناء لأحد، ونعني بذلك السبعة مليارات نسمة أو يزيد من سكان الأرض الحاليين، فالتغيير قادم وسوف يُغير حياة الجميع لا محالة بإذن الله.
إن من أهم مميزات موضوع السر الأعظم هو في طرحهِ لقواعد فكرية جديدة أمام الناس، ليتم من خلالها تغيير الأفكار والمُعتقدات كذلك العلوم الإنسانية السائدة حالياً، والتي اعتاد عليها الناس ولفترة طويلة من الزمن دون التفكير بعواقبها أو مدة صلاحيتها فيما يخص وجود الإنسان في محيطهِ الكوني.
إذاً وقت التغيير قد حان بعد أن تمَّ تحديد الزمان والمكان والذي تم اختيارهما بعناية فائقة من المولى العزيز القهَّار، وذلك حتى يتم توصيل المعلومة الخاصة بالسر الأعظم إلى للناس بشكل مفهوم ومنطقي، الهدف كبير وعظيم والتحديات جسام.
بالمُقابل إيماننا بالله ويقيننا بالنصر في إظهار الحق راسخ والحمد لله، ففي النهاية يبقى كل شيء مرهون بأمر الله وحدهُ سُبحانه لا إله إلا هو.
وإننا بما نملكه من علم ويقين بالله لقادرون بإذنهِ تعالى على دحض وإفشال جميع فتن الشيطان اللعين التي استمرت زمناً طويلاً وهي تسعى إلى تحريف أفكار الناس ليتم ابعادهم عن الصراط المُستقيم، والنتيجة كانت وما تزال خراب الأمم وفساد في الأخلاق وانتشار الفواحش بين الناس.
أما بخصوص الكيفية التي سوف يتم من خلالها دحض وإفشال فعل الشيطان اللعين مع الإنسان المسكين، فإنَّهُ وبمجرد ما أن يظهر الحق المُبين سوف يزهق الباطل اللعين ويكون بذلك قد تمَّ دحض الشيطان الرجيم وإفشال مخططاته بإذن الله.
إذاً يتوجب علينا هُنا أن نعرف أصل علاقة الشيطان الرجيم لعنهُ الله بالسر الأعظم وما يحتويه من أسماء ورموز، وهو الأمر الذي بدأت قصتهُ مع بداية خلق الإنسان الأول وإعلان عن وجوده في الأكوان.
إن أهم إنجاز حققهُ الشيطان اللعين في أول الزمان هو عندما تمكنهِ من إغواء الإنسان ليُنسيَّهُ تلك الأسماء والرموز التي تعلمها من خالقهِ الرحمن، وهذا النسيان إنما تم عن طريق إشغالهِ بأمور الحياة ومتاعها، فلماذا إذاً يسعى الإنسان وراء هاجس عقلهِ الباطن الذي يدفعهُ على الدوام ليتعلم ويزداد معرفة بالأشياء إذا لم يكن الهدف من وراء ذلك هو استعادة ما نسيه أو بالأحرى ما أنساه إياه الشيطان اللعين.
فقوة الإنسان التي تميزهُ عن المخلوقات جميعاً ومن ضمنهُم الشيطان اللعين هي في معرفتهِ للرموز التي كانت لديه والتي فيها مفاتيح الأكوان، ولو حافظ عليها الإنسان ولم ينساها لما كان للشيطان اللعين عليه أي سلطان، ورموز الدخول هذهِ كانت عند الإنسان بشكل عام وما زالت، وهي التي تحفزه على طلب العلم والسعي وراء التعلم، أما السر الأعظم وهو الرمز الرئيسي فلقد اختصه الخالق للقِلة المختارة من الناس.
دليل ما قلناه نجده في سعي الإنسان على الدوام وعن طريق اللاوعي إلى استعادة ما نسيه من تلك الأسماء، وسعيه هذا يتمثل في ابتكاره للعلوم والمفاهيم، كذلك طرحهِ للفلسفات لعلهُ بذلك يتذكر ما في عقله من رموز وأسماء، ولم يقبل أي إنسان ولغاية الآن بأن يعيش كالمخلوقات الأخرى من حولهِ من دون أن يكون لهُ هدف أو غاية ورغبة بالتعلم، ولن تتوقف هذهِ الرغبة حتى يتذكر الإنسان تلك الرموز والأسماء مهما طال بهِ الزمان، لذلك كان مطلب الإنسان الرئيسي من وراء سعيه نحو العلم والتعلم هو استعادة المعلومات أو الرموز والأسماء التي نسيها حتى وإن لم يصرح هو بذلك.
ولكي نُحيط بالموضوع كاملاً علينا أن نعود إلى بداية معرفة الإنسان بالأسماء والرموز تلك.
تبدأ الحكاية عندما خلق الله خالق الخلق سُبحانه الإنسان أول مرَّة، حينها صرَّح لبقية خلقه الذين كانوا من حولهِ وأولهم الملائكة بنيتهِ أن يجعل ذلك الإنسان على الأرض خليفة لله، في ذلك الوقت احتجت الملائكة ومن خلفهُم خلق الله أجمعين على ذلك القرار، وكانت حجتهُم تتلخص في عدم معرفتهِم بحقيقة وطبيعة هذا المخلوق الجديد المسمى بالإنسان، فكيف يكون إذاً خليفة الله على الأرض، إضافة إلى قدرة هذا الإنسان بما وهبه الله من قوة وإرادة وصرامة وغيرها من الصفات الظاهرة للعيان والتي قد يستخدمها في أن يدمر ويسفك الدماء بالأرض، ثم قاموا بعد ذلك قاموا بتزكية أنفسهِم لهذا المنصب كونهُم خِلاف ذلك.
لقد كانت الملائكة مُحقة في ذلك الادعاء، فهي تعلم وكذلك المخلوقات جميعاً ظاهر الإنسان ولم تعلم غير ذلك، حينها شاء الله العزيز الحكيم أن يُظهِر للمخلوقات جميعاً ما خفي عنهُم ِمن صفات لم تكن موجودة فيهِم، هذهِ الصفات هي قدرة الإنسان على التعلم والاستنتاج والتي من شأنها أن تتحكم بالقوة والإرادة وغيرها من صفات المخلوقات الظاهرة فتكون النتيجة مخلوق مُتكامل الصفات الخلقية جدير بأن يكون خليفة الله ليدير شؤون الأرض وبالصورة التي تُرضي الخالق سُبحانهُ.
نلمس ذلك في رد الخالق على احتجاج الملائكة عندما قال لهُم بأنَّهُ سُبحانه يعلم بشأن هذا المخلوق مالا تعلمهُ الملائكة أو أي مخلوق آخر.
حينها باشر الخالق سُبحانهُ بتعليم الإنسان الأسماء والرموز جميعها، والتي فيها مفاتيح العلوم والمفاهيم الكونية ولكل شيء مخلوق، وبعد أن تعلم آدم كإنسان تلك الأسماء والرموز وحفظها وفهمها، عرض الخالق العزيز القدير أمام مخلوقاتهِ بعض المخلوقات الغيرة معروفة للآخرين وأمر الملائكة أو من يستطيع من المخلوقات جميعاً أن يذكروا أسماء أو رموز هؤلاء!
كان الرد من الملائكة حينها بأنَّهُم لا علم لهُم بهؤلاء وإنهُم لا يعرفون إلا ما قام الله بتعليمهِم إياه، ذلك كون استيعاب المخلوقات الغير بشرية لا يتعدى ترديد وتلبية أوامر الخالق وتعليماته، أمَّا الإنسان فله القدرة على الاستنتاج وربط الأمور ببعضها البعض، ولنفهم قدرة الإنسان تلك نعطي مثالاً أرضياً هُنا وهو ما حصل لسيدنا إبراهيم عليه السلام.
سيدنا إبراهيم عليه السلام نشأ وترعرع في بيئة عادية، وكسائر الناس كان مُحاطاً بأمواج الطاقة الكونية، أحس بوجودها عليهِ السلام وسعى إلى التعامل معها بجدية، وأخذ يفكر بكل اسم أو رمز يتعلمهُ من محيطه، من هذهِ الرموز والأسماء كان رمز أو اسم الرب ، ولكنَّه عندما فعل كما يفعل الآخرون، أي بإعطاء اسم الرب تارة للشمس وتارة أخرى إلى القمر ثم لغيرهُم من الآلهة المزعومة في زمانه آنذاك، لم يقبل عقله أو فهمه ذلك، بالأحرى لم يكن رمز أو اسم الرب ليناسب مع أي شيء حولهُ إذا تعامل الإنسان معهُ بجدية وصدق، فكون الإنسان يُردد كلمة الرب على أي شيء فهذا لا يدل على فهم أو علم بحقائق الأمور، فكل شيء في هذا الكون عندما خلقهُ الله قد أعطاه اسم يُسمى بهِ ورمز يتم من خلاله التعرُّف على ذلك الشيء، فإذا تمَّ استخدام اسم ما لشيء آخر غير الذي كان يُسمى بهِ ذلك الشيء من قبل المولى العزيز القدير كان التطابق والاستجابة معدومين، فمثلاً عندما ننادي شخصاً باسمٍ غير اسمهِ فلا نتوقَّع حينها بأن ذلك الشخص سوف يقوم بالرد على ندائنا، كذلك اسم الرب فإنَّهُ لا يلقى تجاوباً من رب السماوات والأرض ألا وهو الله سُبحانهُ إذا تمَّ توجيه اسمه لغيره والعياذ بالله، ويكون الشخص المنادي بهذا الاسم بعيداً كل البعد عن الله، وهو بذلك بعيد كل البعد عن ما يعكسهُ هذا الاسم من استقرار نفسي وروحي في الذات البشرية عند تعاملهِا مع هذا الاسم أو الرمز الجليل.
وهذا ما حدث مع سيدنا إبراهيم عليهِ السلام، فبعدما يأِس من معرفة خالقهِ عن طريق توجيه النداء برمز أو اسم الرب الذي يعرفهُ إلى أشياء لها أسماء ورموز غير ذلك، قام بتوجيه ذلك الرمز إلى السماء طالباً من الرب الحقيقي الهداية والغفران وأن يرشدهُ إلى الصواب.
حينها استجاب الله لإبراهيم عليهِ السلام، ففرح الله بهُ وجعلهُ خليلاً ونبياً، وحصر في ذريتهِ النبوة بل وجعله أمَّة قانتاً لله من بين الأمم، أي أنَّ الخالق سُبحانه حصر في نسل إبراهيم عليهِ السلام الأنبياء والرُسل، وذلك كتكريم وتعظيم لجهوده ولنجاحه في فهم الرمز والاسم ثم الاستدلال بهما على الخالق جلَّ وعلا، وذلك بعد أن كان يُساء استخدامهما بين الناس للاستدلال على إله غير الله ودين غير دين الإسلام، واستمر سوء الفهم هذا مع بعض الناس بل وإلى الآن.
دليلنا فيما سبق هو ما جاء ذكره في القرآن الكريم من قولهِ تعالى في سورة الأنعام : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي الله وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83).
بعد هذا العرض الموجز لقصة سيدنا إبراهيم عليهِ السلام ولكيفية استدلاله على معرفة الله حق المعرفة عن طريق الرموز والأسماء التي كان يتعامل بها الناس وبشكل عام، نعود الى قصة خلق الإنسان الأول والمتمثلة بقصة سيدنا آدم عليهِ السلام مع الرموز والأسماء.
فبعد أن علَّم الله الأسماء كلها للمخلوق الجديد وهو الإنسان ممثلاً بسيدنا آدم عليهِ السلام، باشر الخالق سُبحانهُ في عرض بعض الأشياء المخلوقة حديثاً والتي لم تكن معروفة للآخرين من المخلوقات كالجبل والنهر على سبيل المثال وهكذا على الملائكة طالباً منهُم أن يخبروه بأسماء هؤلاء، فكانت أجابتهُم لله حينها بعدم معرفتهِم بهؤلاء، وإن معرفتهِم مقصورة بما تعلموه لا بما يستنتجونه.
في ذلك الوقت توجه الله العزيز القدير إلى آدم عليهِ السلام طالباً منهُ أن يخبرهُم بأسمائهم أي بأسماء المخلوقات المعروضة أمامه والمجهولة الأسماء بالنسبة للآخرين وذلك رغم عدم معرفتهِ المُسبقة بهِم، عندها تمعن سيدنا آدم عليهِ السلام بتلك الأشياء جيداً ثم قام بالربط بينها وبين ما تعلمهُ من ربَّهِ من أسماء ورموز، فكانت النتيجة أن نسب كلمة الجبل لما تحويه من ضخامة بالنطق إلى هيئة الجبل المُتمثلة أمامه، ثُمَّ تمعن برمز الجبل لما فيهِ من إشارة إلى هيئة ضخمة وكُتلة هائلة فاستنتج بأن ذلك الشيء يقيناً هو الجبل، وهكذا فعل مع باقي الأشياء ثُم أخبر الملائكة بذلك وصدَّقهُ الله عليها.
بذلك يكون الخالق سُبحانهُ قد أثبت لمخلوقاتهِ جميعاً وإلى الأبد حقيقة علمهِ بالغيب وبما يخص الإنسان كذلك، وبأنهُ جلَّ وعلا يعلم بشأن هذا الإنسان مالا يعلمه الجن ولا الملائكة أو أي مخلوق كان، وهذا إن دل على شيء فإنَّهُ يدل على أنَّ الإنسان قادر في النهاية على فك الألغاز ومعرفة الحقيقة بما يملكه من علم رباني قد أودعه الله في عقله مُسبقاً.
هذا ما نقرأه في القرآن الكريم من سورة البقرة : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33).
تبقى مسألة سلبيات ذلك المخلوق الجبَّار وهو الإنسان المتمثلة بالغرور والتكبُّر وهو الأمر الذي يُصاحب عادةً التميُّز في المعرفة والتفرد بالاستنتاج والتفكير وقد يُفسدهما، كيف لا يتم محاولة إفسادهما وقد تميز الإنسان عن باقي المخلوقات بمعرفة حقيقة الأسماء والرموز الأمر الذي ولَّد الحسد والغيرة لدى بعض المخلوقات الحسودة، وهذا الأمر كان فرصة للشيطان اللعين وهو أول الحاسدين بأن ينزغ أي يُفسد عِلم الإنسان بهذهِ الأسماء والرموز عن طريق دفعهِ إلى نسيانها ونسيان الكيفية التي يتم التعامل معها، فكان هذا الأمر نقطة ضعف وخوف الإنسان الأول بل وما زال الخوف إلى الآن، فالإنسان المؤمن لا يتوقف عن الدعاء إلى الخالق بأن لا يُنسيه ما كان قد تعلمه من الله ، لقولهِ تعالى في سورة البقرة : لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286).
أما عِلاج أمر نسيان الرموز والأسماء فهي محصورة بأن يُطيع الإنسان ربَّهُ ويتعوذه من الشيطان الرجيم على الدوام لقولهِ تعالى في سورة الأنعام : وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)، ولقولهِ تعالى في سورة طه : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)،كذلك نجد التعوٌّذ في سورة الأعراف بقولهِ تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201).
مما سبق نستنتج بأنَّ الإنسان الأول عندما خلقهُ الرحمن قد قام حينها بتعليمهُ الأسماء والرموز جميعها، وذلك لكي يُسيطر على قوتهِ الفريدة وعزيمته الجبارة ويمحي غروره بسلطانهِ وكبرياءه بملكهِ وتكبره على خلق الله من حولهِ، وإذا حدث وأن تدخل الشيطان بوسوستهِ لينزغ أو يُفسد علم الإنسان وحكمته ويُنسيه ما تعلمهُ من الله ، يصبح الإنسان العالم مغروراً وجشعاً ومُتكبراً ، وهذا هو حال أغلب ما يطلقون على أنفسهم علماء المادة في وقتنا الحالي أو في الأوقات السابقة، فإذا أراد الإنسان أن يستعيد الأسماء والرموز التي نسيها عليه أن يستعيذ بالله من الشيطان بكل صدق وأمانه وهو يقين بعودة الإنسان ليُبصر ما قد عمي عنه ، وليرى الأمور على حقيقتها وكما خلقها ربها، فيتذكر حينها الأسماء التي تعلمها من الله ، فيعود علمه كما أراد الله له أن يكون ، ليحكم الأرض بالحكمة والموعظة الحسنة ، فيستحق حينها لقب خليفة الله في الأرض ، كما استحقه أسلافه من الأنبياء والرُسل، وهذا الأمر قادم لا محالة بإذن الله.
مما تقدم يتضح لنا أهمية موضوع العلم الذي علمهُ الله للإنسان، فعلم الإنسان الذي تعلمهُ من الله ليس ليخترع بهِ سيارة أو طائرة وغيرها، علم الإنسان إنما أوجده الله في البشر ليتحكموا بقدراتهِم الخلَّاقة من فكر واستنتاج ومعرفة، ولكي يُهذِّبوا المفاهيم الخاطئة حول حقائق الأمور التي أفسدت الإنس والجن وكثير من المخلوقات الأخرى، وليحكموا الأرض وليكونوا خليفة الله في الأرض فينشروا العدل والحكمة بين خلق الله أجمعين.
يكفينا في هذا الشأن سيرة سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي صحح مفهوم كلمة أو رمز الرب عند الناس ، فكان بذلك أبو الأنبياء ، ومن سيرته عليه السلام أنهُ أنقذ البشرية من مفاهيم خاطئة وعلوم فاسدة، فمسألة أن يُطيع الله بأمر ذبح ابنه البكر الحبيب إسماعيل عليهِ السلام، وهي العادة المُتبعة في ذلك الحين عندما يرغب الناس من التقرب الى الله فلا يجدون خيراً ولا أعز من أبنهُم البكر كي يُضحَّوا به ، ولكن وبعد أن أثبت سيدنا إبراهيم ولاءه لله وتصديقه للرؤيا وباشر في ذبح ابنه البكر تنفيذاً لأمر خالقهِ، جاء أمر الله باستبدال التضحية بالبشر بأن يُضحوا بكبش سمين بدلاً عن ذلك، فتبدلت عادة الناس منذ ذلك الحين فأصبحوا يُضحون بالحيوانات بدلاً من أولادِهِم بُغية التقرب إلى الله ، ولولا هذا الأمر الرباني والحكمة الإلهية لاستمر الناس بذبح أولادهم إلى يومنا هذا ، ولأهمية هذا الحدث جعلهُ رسولنا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام عيداً عظيماً للمسلمين وهو عيد الأضحى المبارك وذلك كي يُضحي المسلمون بالحيوانات بعد أن كان الناس يُضحون بأولادهم وليتذكروا حينها فضل الله العظيم على الناس أجمعين.
فعلم سيدنا إبراهيم عليهِ السلام ومعرفته اليقينية بالأسماء والرموز جعلت منه أبا الأنبياء بلا مُنازع، وحكمة وعلم رسولنا العظيم مُحمد عليه الصلاة والسلام بقيمة تضحية جدَّهُ إبراهيم جعل ذلك اليوم عيداً للمسلمين لعل الناس يكفون عن قتل بعضهِم البعض والتضحية بدماء المسلمين والبشر في سبيل أوهام وقضايا خاسرة، فيفكروا ملياً قبل أن يُباشروا بقتل أي إنسان!
أين نحن من هذهِ المعرفة وهذا العلم، وهل اكتفينا بالعلم الذي نصنع به السيارات والطائرات وغيره وابتعدنا عن العلم الذي يُنجينا من عذاب النار ويجعل حياتنا على الأرض سعيدة وهنية ومستقرة؟
حيث قال سبحانهُ وتعالى في سورة الحاقة: لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12)

من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
صفحة 34 -42
تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)





رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الشبكة الليبرالية الحّرة هي شبكة ذات إدارة من مختلف الدول والأقطار بالعالم، وهي لا تمثل أو تتبع بأي شكل من الأشكال أي دولة عربية أو غير عربية، وعليه فإننا نؤكد أن جميع المشاركات تعبّر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الإدارة.
الساعة الآن 04:21 PM.


Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2021