العودة   الشبكة الليبرالية الحّرة > الأقسام العامة > أصداء الصحافة والإعلام

الملاحظات

قائمة الأعضاء المشار إليهم في هذا الموضوع:

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 27-02-2018, 01:55 PM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي العقل العربي ومآلاته

العقل العربي ومآلاته -1-
نشرت بجريدة : "الأخبار" المغربية، العدد : 1614
بتاريخ : الجمعة 29 جمادى الأولى 1439 / 16 فبراير 2018

مقدمة



بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله الذي خلق فهدى، وجعل العقل سببا لمن اهتدى، فكان انتفاؤه خليقا بمن ضل وسلك سبل الردى؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد هادي العقل في ظلمات الحس والفكر بما يجعله يفوز بخيري الاعتبار، وعلم المنتهى والمبتدا؛ وعلى آله وصحبه، ومن لطريقه انتهج وبسنته اقتدى.


في البداية لا بد أن نقرر أن العقل عام، لا يصلح فيه الكلام عن عقل عربي أو غيره، وإلا نُسبنا إلى "العنصرية" التي لا تمت إلى المنهج العلمي بصلة. غير أن ما أصاب العقل العربي الجمعي (الثقافة) من تشوهات، صارت مانعة للشعوب العربية عن إدراك ما هو من قبيل البداهة اليوم، جعلنا نتناول هذا الموضوع، ونخوض فيه غمار استكناه مبادئه ومآلاته، على ضوء ما هو مشترك عام؛ لعلنا نخطو خطوة في اتجاه الإصلاح المنشود، من غير الوقوع فيما يُحرف التوجه أو يناقض الغايات.


إن الأحوال التي تعيشها العرب في هذه المرحلة الحرجة من تاريخهم، تدل على أن الخلل لديهم كبير، وأن الأزمة عميقة؛ لم يفد معهما ما قدمه المفكرون إلى الآن من دراسات، زُعم أنها تهدي إلى ما ينفع الناس، ويغير من حالهم. ولكننا عند رجوعنا إلى الواقع نستخبره، فإننا لا نكاد نجد لتلك الدراسات أثرا يُذكر؛ إلا ما كان حبيس قاعات الندوات والمحاضرات، وبين أعداد قليلة من المهتمين، تعجز أن تكون واسطة فعلا، بين المفكرين وعموم الناس. هذا على افتراض أن المفكرين، يقدمون في هذا المضمار، ما يُمكن أن يُعتدّ به؛ والحال أن الإنتاج الفكري العربي على ندرته، لا يعدو أن يكون ترديدا ورجع صدى، لفكر غربي أوروبي على التخصيص؛ بطريقة مباشرة، أو بطريقة غير مباشرة، عندما تُراد مخالفة الفكر الغربي في بعض التفاصيل، مخالفةَ من لا يستطيع الانفكاك عن منطلقاته ولا عن آلياته.


إن الواقع الذي نعيشه اليوم، يدل بوضوح على أن العرب لا عقل لهم، بالمعنى العام؛ لأن العقل النظري وحده، الذي يحوزه بعض الأفراد، لا يُمكن أن يُعتبر عقلا جمعيا لأمة ما، إلا إن صدّقه العقل العملي الجمعي لديها؛ وإلا كنا بإزاء ازدواجية العقل، كما هو الشأن حقيقة. وإن حالة الفُصام العقلية هذه، لا يمكن أن تُتناول بعيدا عن معرفة أصول العقل لدينا، من حيث هي خصوصية تميّزنا عن غيرنا؛ ولا بعيدا عن المؤثرات الخارجية التي دخلت علينا من أمم أخرى لأسباب معلومة تاريخيا وجغرافيا... لهذا، فإنه لن يكون من السهل الغوص في عمق هذه المسألة، ولا الخروج منها بما ينفع في تصحيح الأوضاع القائمة، والتي تبدو وكأنها قدر أبدي، لا تمكن زحزحته البتة...


لو عدنا إلى الواقع، فإننا سنجد المرجع في حياة الناس القوة (بمعناها المادي) لا العقل؛ وهذه القوة قد تكون متمثلة في نظام الحكم، كما قد تتجلى في أعراف المجتمعات وتقاليدها... بل عند التحقيق، سنجد قوة المجتمع في توجيه الأفراد، أشد من قوة الأنظمة الحاكمة، رغم ما هو سائد في هذا المضمار من اعتقاد. ولولا تلك القوة، ما استطاعت قوة الحكم ذاتها، أن تهيمن على مجتمعاتنا، إلى الحد الذي لا يقبله عقل ولا دين.


إن مجتمعاتنا العربية في غالبيتها مسلمة؛ وإن الدين في أصله جاء ليرتقي بالإنسان من وهدة الحيوانية، إلى ذرى الربانية، التي هي الغاية العليا للعقل؛ لكننا نجد الأمر بعكس هذا في الأزمنة المتأخرة عندنا... ولقد تعجل كثير من الملاحظين في نسبة ما نعيشه من تخلف وانحطاط في زماننا إلى الدين -وهم محقون من دون شك، في الشق الذي نجد له رعاية من الفقهاء الذين باعوا آخرتهم بعرض من الدنيا- لكن الحقيقة هي أن الدين لا يؤتي أكله إلا إن استند إلى عقل سليم. فالعقل مقدم على الدين في الاعتبار؛ وإلا ما كان ليجعله الشارع شرطا في التكليف.


فإن انضاف الدين إلى عقل مختل، فإن النتائج تكون كارثية. وما هذا الذي نراه من عنف غير مفهوم، أو من تخلف مقيم، إلا من توابع هذه الخلطة المدمرة. والذي نقصده نحن من سلامة العقل المشروطة في التدين، ليس هو ما يظنه بعض من لا علم لهم مِن تحكيم العقل على الدين؛ وإنما هو سلامة الانطلاق في التدين، مع الإبقاء على إمكان التوسع في المراحل التي تأتي بعد ذلك، بحسب الشروط. وهذا أمر غاب عن الفقهاء أنفسهم، في الوقت الذي كان ينبغي أن يحرصوا عليه، وأن يكونوا هادين إليه.


وما العقل الفقهي في الحقيقة، إلا صنف واحد من أصناف العقول التي ينبغي علينا النظر فيها، إن كنا نريد إدراك الخارطة العقلية للمجتمعات العربية بصفة شاملة، إدراكا ينفع في الخروج بمستخلصات عملية، تساعد على الانعتاق مما نحن فيه. وهذا لا بد أن يأتي من الداخل لا من الخارج... ونعني بالخارج، الأمم الأخرى المخالفة، كما نعني من يتأثر بهم منا؛ فهذا لا ينفع في شيء!.. ولعلنا سنعرف أسباب ذلك كلما أوغلنا في هذا الكتاب... وأما الداخل، فنقصد به شرط الإحاطة بالخصوصيات، بعد تثبيت العموميات. وهذا لا بد فيه من تجرد عزيز الوجود، لا ينبغي أن ينفي الانتماء الضروري لتحقق الاطلاع على الأمور عن ذوق وتجربة، لا تصورا فحسب.


ونحن في هذه الورقات، سنعمل إن شاء الله، على إضاءة بعض جوانب هذا الموضوع الخطير، لنتعرف أبعاده شيئا فشيئا؛ ونتبيّن مواضع الخلل منه في كل مرة، عسى أن نصل إلى ما يعيد أمتنا إلى واجهة التاريخ مجددا؛ خصوصا ونحن نعلم أن لها من الأهلية، ما لا يشاركها فيه غيرها من الأمم البتة...




جرادة في 21 من ذي الحجة لسنة 1438الموافق لـ: 12-9-2017.






.......






رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-03-2018, 08:56 AM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -2-
نشرت بجريدة : "الأخبار" المغربية، العدد : 1620
بتاريخ : الجمعة 06 جمادى الثانية 1439 / 23 فبراير 2018

العقل الجاهلي


بما أن عرب الجاهلية، لم يكونوا أهل كتاب، فإن أقصى ما يكون عليه العقل لديهم، هو ما يوافق حال الفطرة على الإجمال. ولو تأملنا هذا، لوجدناه حال الحكماء منهم، الذين ضمّنوا حكمهم أشعارهم أو خطبهم ومواعظهم. وإن انحياز العقل العربي الجاهلي إلى الشعر وما شابهه، ينبئ عن خصوصية لديه، إن هو قورن إلى العقل الغربي، اليوناني خاصة. وهذا يتطلب منا أولا معرفة نسبة الفن إلى الفلسفة...

إن الفلسفة هي التعبير عن المعقولات، في قالب لغوي فكري؛ وهذا يعني أن اللغة لها أهمية قصوى، تجعل الفلسفة مقيدة بها، ولا تتجاوزها. أما الفن كالموسيقى، فهو لغة مطلقة في مقابل اللغة المعلومة، يعبر بها الفنان عن معان مطلقة أو شبه مطلقة، وإن بقيت على نوع تقيُّدٍ بأمهات المواجيد كالحزن والفرح والهيبة والعظمة والرقة وغير ذلك... وعلى هذا، يكون الشعر في الترتيب أعلى من الفلسفة وأدنى من الموسيقى (الفلسفة اليونانية القديمة كانت شعرا).

والعرب عندما أتقنوا الشعر، فإنهم قد برهنوا على أنهم قد ملكوا ناصية اللغة، على الأقل بالقدر الذي حازه الفلاسفة، وإن اختلف توظيفها بين الفريقين. ولا شك أن التوظيف الفني، لا يقل عن التوظيف المنطقي الذي هو عصب الفلسفة؛ بل يزيد عليه بما يدخل في المواجيد التي هي وراء المعقولات. وهذا يعني أن للمواجيد منطقا خاصا بها، قد يغفل عنه الغافلون. وعلى هذا، فإن العرب أرقى من اليونان من هذا الوجه، وإن جُهل لدى الدارسين ما نذكره هنا، أو قلّ من يشير إليه من المنصفين.

وإن ميل العرب إلى الإطلاق، لا شك كان داعيا (دعاء استعداد) لأن ينزل فيهم الوحي الإلهي المطلق، الذي هو القرآن الكريم. ولا شك أنّ تقبُّل العرب للقرآن، يختلف حتما، عن تقبل الفلاسفة لو نزل فيهم؛ لِما هم عليه من التقييد، الذي يمنعهم عن إدراك جل معانيه. بل إن حال الفلاسفة مع الوحي، لا يكون بعيدا عن الانقباض الناشئ من التنافر بين المتنافريْن. نقول هذا على العموم؛ وإلا فإن القرآن لا يخلو من آيات منطقية تبهر أشد الناس عقلا وأقواهم برهانا.

أما الفوضى السياسية التي كانت تغلب على العلاقات القبلية، فإنها كانت في الغالب تدور حول الحفاظ على البقاء، في عالم تنافسي، الغلبة فيه للأقوى عُدة وعددا. ومع ذلك، فإن العرب كانوا على أعراف تكاد تكون أرقى مما هو العالم عليه اليوم من قوانين، إذا ضربنا صفحا عن الفارق في الجانب التقاني الموهم بالتقدم. هذا يشبه قليلا، ما كان عليه الهنود الحمر من مروءة، في مقابل وحشية البيض المستعمرين، في أمريكا.

عندما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ» ، فإنما كان يعني حال العرب عند البعثة على التخصيص. وإن عدم الاشتغال بالكتابة والحساب، لا يعني إلا البقاء على حال الفطرة في حق من سيُقبلون على الإسلام، إقبال من كان في ظمأ إليه. وإن اشتغال الأمة فيما بعد بالكتابة والحساب، لم يُخرجها عن صفتها الأصلية في عمومها، وإن خرج من ظن أنه حصل شيئا من طريقهما، لا يوافق الوحي، كحال المستغربين من أبناء أمتنا في زماننا. والأمية لدينا لا تعني الجهل هنا، وإنما تعني البقاء على حال من الصفاء، يضيء زيت الأمة بإذن ربها، بمجرد أن يمسه نور الوحي.

أما عبادة العرب للأصنام، فقد كانت نكوصا عن الفطرة من غير شك؛ لكنه في غالبه كان موافقة لما درج عليه الآباء، من غير تمحيص أو تعقل. وهذه العبادة تُنبئ عن قصور في معرفة الله، مع حدس بضرورة وجودها المحوري في حياتهم. ويبقى قلة منهم من وُفق للبقاء على الفطرة من غير تقييد بعقل، كقس بن ساعدة، الذي هو معدود من أهل الفترات كما هو معلوم. ولو عدنا إلى مقارنة العقل العربي (الشرقي) إلى العقل اليوناني (الغربي)، لوجدنا شبيها لقس بن ساعدة نوع شبه، وهو أفلاطون الذي كان يرفض وثنية قومه؛ على اختلاف وتفاوت بين الرجلين، من حيث دخول الفكر على الفطرة. ومن الجيد هنا أن نقرر الفرق بين العقلين الشرقي والغربي، حتى لا نقع في غلط محاولة توحيدهما فيما بعد، كما فعل المستشرقون من الغربيين، والمستغربون من الشرقيين. وسنرى لهذا الخلط انعكاسات كثيرة، حين الخوض في التفاصيل مستقبلا، إن شاء الله.

والفوارق التي بين العقل الشرقي ونظيره الغربي، لا يمكن أن تؤخذ إلا على جهة التغليب، بسبب وحدة العقل العامة، كما هو معلوم، وكما أوضحنا في المقدمة. وعلى هذا، فمن سمات العقل الشرقي الميل إلى الإطلاق الذي يناسب الفنون والتصوف والتنجيم والغيبيات؛ أما العقل الغربي فحتى فنه فكري مقيد بقواعد صارمة. وإذا أخذنا مثلا على هذا سمفونية كلاسيكية في مقابل موسيقى هندية كلاسيكية أيضا، فإننا سنتعرف الفرق فورا، عندما نجد الأخيرة متحررة كثيرا، حتى فيما يعود إلى درجة الصوت الواحدة (النوتة)، التي تؤدَّى في الموسيقى الهندية بتموج في التردد يكاد يُخرجها عن الضبط. وقُل مثل ذلك في الجملة اللحنية وتنويعاتها، وفي الإيقاعات وغير ذلك...

إننا عندما نتناول مصطلحات كالشعر والفلسفة والفن والفكر، فإنما نريد منها معانيها الأصلية، لا التي هي شائعة اليوم؛ لأن التعليم السقيم الآن قد أفسد كل شيء؛ حتى عاد الجاهل الساكت معه، أفضل حالا من المتعلم. وعلى كل حال، فإن القارئ يحتاج معنا في معظم ما نكتبه، إلى أن يدقق في معاني الألفاظ، والتي قد تخرج عن المألوف منها؛ ذلك لأننا نعتمد الأصل اللغوي دائما، في التأكيد على المعنى الاصطلاحي. وهذا يكون بمثابة تجديد للغة، ضمن تجديد الخطاب إن شاء الله...









..........






رد مع اقتباس
  #3  
قديم 03-03-2018, 04:15 PM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -3-
نشرت بجريدة : "الأخبار" المغربية، العدد : 1626
بتاريخ : الجمعة 13 جمادى الثانية 1439 / 02 مارس 2018


إسلام العقل

إن العقل المجرد، عاجز عن معرفة الحقيقة من نفسه، وإن بالغ في فعل التفكر، بسبب أصله العدمي. والعقل الفني أقدر على إدراك هذا الأمر من العقل الفلسفي، لعدم إلفه تعمل نفسه كالثاني، ولانفساح الإدراك لديه بأكثر من الثاني؛ لكن هذا لا يعني إيمان العقل الفني حتما، كما هو معلوم. ولما جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى العرب، بادر إليه من كان سليم الفطرة قوي الاستعداد، كأبي بكر وخديجة وعلي رضي الله عنهم؛ وتأخر الباقون قليلا لقصورهم وانحجاب فِطَرهم، لسبب من الأسباب؛ كاعتبار العادات ورأي القوم وغير ذلك... وأما من أصر على الكفر، فإن الفطرة لديه كانت قد انطمست، وغلبت عليه الظلمة الأصلية، فزاد ظلمة على ظلمته، باعتبار أن الطبيعة عينها ظلمة ثانية.

والعقل لا يُسلم في الظاهر إلا لعقل أكمل منه، يستمد منه الهداية، ويتحقق منه ذلك يقينا، للمناسبة التي بين العقلين؛ وليس ذاك إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ثم يأتي الإسلام لله تبعا لذلك، بعد إخبار النبي عن ربه وشؤونه. كل هذا، لأن الله من حيث الذات مطلق، لا يُعقل منه إلا أنه لا يُدرك. ومن هنا كانت وساطة النبوة، لا غنى لأحد عنها؛ علم هذا من علمه، وجهله من جهله. وأما النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من جهة حقيقته)، فقد كانت له هذه الهيمنة على العقول، لأنه أصلها من حيث الوجود؛ فهو العقل الأول الذي له السبق في المرتبة، والذي تنبثق عنه كل العقول التي هي دونه. لكن هذا الأمر لا يعلمه إلا من كشف الله له ذلك؛ وأما من غير هذا الطريق، فلا يُدرك أبدا.

إن الفرق بين العقل المسلم والعقل الكافر، هو أن الأول علم أن مدده يأتيه من غيره (ربه)؛ والثاني انحجب بشهود نوره المجعول، فظن أنه من نفسه، فانقطع معها. وهذا يعني أن الحقيقة واحدة لدى العقلين، لكن هذا علمها، والآخر جهلها. والعلم والجهل هنا عائدان إلى القابلية التي هي فيهما غير مجعولة. وأقصى ما يمكن أن يقال عن القابليات، هي أنها كصور الشريط السينمائي، التي عندما تمر أمام المصدر الضوئي، تظهر مشاهد حية على شاشة العرض. نعني أن ما كان من الصور داكنا، منع ظهور النور على الشاشة؛ وما كان شفافا سمح بنفاذ النور من خلاله إليها؛ ليظهر كل تفصيل بحسب خصوصيته نتيجة لذلك. وهذا الذي نذكره، هو سبب انقسام الناس إلى مؤمن وكافر؛ وإلى ظهور التوجه الديني الذي يتعلق أصحابه بالله، إلى جانب التوجه الإنساني، الذي يكون الإنسان محور الوجود فيه عند أصحابه. وأما غير هذين التوجهين، فهي تفاصيل وفروع عن هذين الأصلين فحسب؛ مهما بلغت في تعددها وتشعبها.

والدين الموحى به، ليس على التحقيق إلا طريقا لارتقاء العقل في سلم الكمالات، ليعلم في كل مرحلة ما لم يكن يعلم؛ إلى أن يصل إلى العلم بالحقيقة كما هي في نفسها. وأما العقل الكافر، فرغم شعوره بالفراغ، ورغم سعيه إلى تحصيل العلم بالحقيقة من طريق تكسُّبه الفكري، فإنه لن يتمكن من ذلك أبدا. ولعدم علمه بحقيقة ما عليه المتدينون، فإنه سيسعى إلى تفسير أحوال أهل الدين، بحسب تصوره هو فحسب. وهذا المسلك قد أنتج جل نظريات المعرفة التي ظهرت في العالم، على اختلافها وتضادها.

ومن أغرب ما وصل إليه العقل الكافر في نظرية المعرفة، قوله بالنسبية المطلقة، التي تجعل كل عقل على حقيقة يراها هو كذلك، ويرى غيره سواها. وهذا وإن كان له مسوغ في الحقائق، إلا أنه لا يمكن أن يُقبل من حيث الفكر والمنطق؛ لأن القول بتعدد الحقائق، مع تعدد العقول، لا يمكن أن تنتج عنه معرفة مشتركة معيارية. وهذا يكون أقرب إلى السفسطة والقول بالعبثية، ويُنهي كل كلام عن العقل والمعقولات.

والقول أيضا بأن الحقيقة لا تُدرك، هو مناقض للعقل نفسه؛ لأنه لا مُدرَك للعقل إلا الحقيقة، وإن لم يعلم هو ذلك دائما!... وأما مسارعة بعض العقول إلى تقرير أن الحقيقة لا تُدرك أبدا، فهو للتغطية على جهلها فحسب. وهذا يلحق بالانحرافات النفسية، أكثر مما يدخل ضمن طرائق التفكير والتعقل. أما القول بأن الحقيقة مطلقة والعقل لا يُدرك المطلق، كما قررنا سابقا، فهو تعجل في الحكم، قبل تبيّن التفاصيل في أحوال المحكوم عليه، وأحوال الحاكم (العقل). وعلى كل حال، فهذه المسألة تعيدنا إلى حقيقة مبايَنة الدين للفلسفة، وتؤكدها.

وأما إرجاع الفلاسفة عدم العلم بالحقيقة، إلى نسبية العقل نفسه، فهو جهل بالعقل، وبنسبته إلى الحق. ونعني من هذا أن العقل يمكنه أن يبلغ مرتبة الإطلاق عن طريق الدين. وعندها يُعلم الإطلاق بالإطلاق، لا بغيره. وهذا الذي نقوله، يراه الفلاسفة محالا، بسبب قياسهم على أنفسهم، الذي لا يصح. فليس الفيلسوف أكمل العقول حتى يُحتكم إليه؛ وإنما هو عقل سائر في طريق التعقل، بحسب سعة عقل كل فيلسوف.

أما النبي، فهو عقل مطلق في صورة مقيدة. ولهذا يكون إخباره للناس من خارج دائرة العقل، والتي هي دائرة الوحي. ولو كان النبي غير مطلق، لما كان نبيا؛ بل كان واحدا من عوام الناس أو فيلسوفا. ولو كان أحدَ هذين، لانقطع الناس عن الحقيقة انقطاعا كليا، يدخل بنا في العبث. والله لم يخلق العالم عبثا، كما أخبر سبحانه: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115].








..........






رد مع اقتباس
  #4  
قديم 04-03-2018, 02:05 PM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -4-


العقول الكاملة




نقول هنا بكمال العقل، بدل الكلام عن إطلاق العقل، لنخرج من التناقض اللفظي فحسب؛ وإلا فإن المعنى المقصود واحد. وعلى هذا تكون العقول الكاملة للأنبياء عليهم السلام ولورثتهم من الربانيين بعدهم. وأما محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه الأكمل لختميته العامة. وهذه المرتبة التي لنبيّنا، هي التي يشير إليها قول الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81]. فهذا الميثاق، هو إبراز للأكملية إلى جانب الكمال؛ والمقصود هو أنه عندما يأتي الأكمل، فعلى الكامل أن يتأخر. وما يجري على الأنبياء، يجري على أتباعهم بالأحروية.

وأما الكمال من حيث هو، فهو انتفاء الظلمة بالكلية، ليبقى العقل نورا خالصا. والكمال الأكمل، لا يفصله عن الإطلاق الذاتي، إلا التعين؛ لأن التعين تقيُّد. وهذا هو أول تعين تنزلت به الذات، ليُعلم منها ما كان مكنونا في غيبها من صفات وأسماء. ولهذا السبب، كان من لا يأتي من باب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لا يمكن أن يحصل شيئا من العلم بالله (الحقيقة)، وإن زعم ما زعم. والربط هنا بين العقلي والديني، يبرز ضرورة الدين ضمن فعل المعرفة، ويخرج بنا عن التصور الشائع الذي يجعل الدين خصوصية ثقافية تعود إلى الإنسان ذاته.

لا شك أن الفلاسفة لو خطر لهم أن العقل يمكن أن يكون مطلقا، لسعوا إلى تحقيق ذلك ولو ببذل النفوس؛ ولكنه لا يخطر لهم. والأمر هنا ليس غياب معلومة أو حضورها، بقدر ما هو تراتب عقول، تكون المرتبة فيه حاكمة -ولا بد- على الـُمدرَك. وهذا، كان ينبغي أن يُدرج ضمن المقررات التعليمية، حتى لا يبقى العقل شيئا واحدا في التصور الجمعي، لو كان يُراد للناس الخير. ولقد ذكر الله تعالى تراتب العقول في قوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51]. فالتكليم بالوحي عام، وهو ما يلقي الله في قلوب عباده بداهة. وهذا يشمل ما يجده المخترعون والمكتشفون في العلوم الدنيوية الصناعية والفيزيائية والطبية وغيرها؛ وما يجده المجتهدون من الفقهاء من طرق الاستنباط التي لم تكن معروفة لديهم. وهذا باب واسع، لو أردنا استقصاءه لما استطعنا. وأما التكليم من وراء حجاب، فهو لأهل السمع؛ وهم أهل الفهم عن الله، في الكلام المعتاد للناس، من غير أن يشعر بهم المتكلمون؛ وهؤلاء من خواص الناس. كما يدخل في هذا الصنف، من يأتيهم الكلام من وراء صور عقولهم، فيظنونه من عند أنفسهم، وهو في الحقيقة من الله؛ وهذا عام. وهو أيضا باب واسع، فيه من الأسرار ما لا يُحاط به أبدا. وأما التكليم عن طريق الرسل، فهو بمعنيين: معنى خاص بالأنبياء عليهم السلام، كما هو مقرر عند أهل الدين؛ ومعنى خاص بأقوام الرسل، الذين يكلمهم الله من وراء صورهم، عليهم السلام. والرسل بالنظر إلى المعنى الأول ملائكة، وبالنظر إلى المعنى الثاني بشر. ولو علم أهل النظر من الفلاسفة، من أين تأتيهم الأفكار، لعادوا من طريقهم إلى طريق التشرع من غير شك؛ لكن الحكمة اقتضت أن يُحجبوا عن ذلك. وهذا الذي خلصنا إليه، يعني أن كل العقول، تعقل عن الله؛ ولكن منها من يعلم ذلك، ومنها من لا يعلم؛ ومنها من يعلم ذلك في وقت دون وقت... هذا فحسب!...

وأما الكمال الوراثي، فللأمة المحمدية منه النصيب الأكبر بين الأمم؛ بسبب انقطاع نبوة التشريع بعد البعثة المحمدية. وهؤلاء الورثة منا، هم نظراء لأنبياء الأمم السابقة فينا؛ إلا أنه لا نبوة. وهم لا يخلو منهم زمان رضي الله عنهم؛ منهم من هو على قدم إبراهيم، ومنهم من هو على قدم موسى، ومنهم من هو على قدم عيسى، أو على قدم غيرهم عليهم السلام. وأما المحمدي من الوارثين، فينبغي أن يكون ختم زمانه، لانتهاء علم الوراثة إليه.

فهذه العقول هي العقول الكاملة، من بين بني آدم جميعا. وغيرها من العقول، يكون ناقصا عنها، محصورا في مرتبته من سلم العقول، لا يتجاوزها. وكل ما يعده الناس عقلا في العادة، ليس هو ذاك الكامل؛ وإنما هو عقل نظري، يكون بالقياس إلى الكامل، كالأعمى مع البصير. وعندما نجد الله في القرآن يصف بعض الناس بالعمى، والبعض الآخر بالإبصار، في مجال الإدراك والمعقولات، كما في قوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: 50]؛ فإن ذلك يكون حقيقة لا مبالغة فيها، كما يتوهم الغافلون. وهذا الفرق، لا يعلمه إلا من ذاق الإبصار بعد العمى؛ لا قبل ذلك.

ولما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو العقل الأكمل، فإن عقول الأنبياء وعقول الورثة الكاملة، تستمد منه؛ وهو وحده الذي يكون استمداده من الله، من غير واسطة. وأما العامة والسالكون من كل زمان، فيستمدون من الأنبياء في أزمنة النبوات النيابية، أو من الورثة. ولما كان العلم بمراتب العقول وبكمالها، من العلم الخاص الذي لا يُذكر في الجامعات والمعاهد، فإن كثيرا من الناس يبقون محرومين منه؛ بالأخص فيما يعود إلى العلم بالله وصفاته وأفعاله سبحانه؛ فإنه لا يُحصّل إلا من جهة الاستمداد حصرا.

ولما كانت العقول الكاملة، شرطا في الاستمداد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في الزمان الذي يأتي بعد انتقاله عن الدنيا إلى قيام الساعة، فإن التّديّن سيتفاوت في الأزمنة المختلفة، بين القوة والضعف، بحسب تحقق هذا الشرط. ولما كان العلم بهذا الأمر قد انقطع في الأزمنة المتأخرة -خصوصا بعد دخول النظر فيما لا مدخل له فيه- فإنه قد صار من اللازم الكلام في هذه المسائل، من أجل استعادة التدين، كما هو في أصله.







................






رد مع اقتباس
  #5  
قديم 10-03-2018, 10:58 AM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -5-




خصوصية العقل النبوي





يقول الله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157]. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، هو عقل العقول، لدلالة الكتب كلها عليه. وأميته لها معنيان: الأول، وهو الذي تعلمه العامة، لكونه صلى الله عليه وآله وسلم، لا يقرأ ولا يكتب من جهة العادة؛ وأما الثاني، فهو معنى ذاتي، لا يشاركه فيه أحد. ويعني أنه صلى الله عليه وآله وسلم على الإطلاق الذاتي، مع ظهوره بالأسماء الإلهية التي هي الصورة الإلهية. ولما كان عيسى عليه السلام، مظهرا لباطن محمد من جهة الاسم الباطن، فإنه كان أعلم الناس به. ولذلك سماه أحمد لانتهاء المحامد في العلو إليه صلى الله عليه وآله وسلم، وحده. وقد ذكر الله ذلك في كتابه عند قوله تعالى: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6].

ولما كان عيسى مظهرا محمديا باطنيا، فإنه ظهر بالتصرف الإلهي في الكون، فأحيى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص. فاختلط على النصارى من بعده، معنى الأمية الذاتية بالمعنى اللفظي الشائع (النسبة إلى الأم)؛ فعبدوه للأول، ونسبوه إلى أمه للثاني. وقد أنكر الله عليهم هذا الجمع الذي لا يستقيم؛ فقال عز وجل: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17]. وأما محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقد جهل عمومُ أمته أميته؛ وإلا لكان أولى بالعبادة لديهم، من عيسى لدى قومه. وهذا من الجهل النافع.

ولما أراد الله تنبيه العرب وغيرهم، إلى خصوصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أخبرهم عنه فقال تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ . لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس: 69، 70]. وهذا، ليخرجه من تصنيفهم العقلي، الذي كانت العقول الشعرية ستجعله بسببه في الذروة، لو ثبت أنه شاعر؛ وحاشاه. وهذا يعني أن العقل النبوي خارج التصنيف، ومنفصل بالمرتبة عن جميع العقول. وقد جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بين الصمت الذاتي، الذي هو الأمية؛ وبين الكلام الاسمي، الذي خرج من فمه الشريف قرآنا. ولما كان الشعر كلاما صادرا في مرتبة الأفعال عن عقول غير كاملة؛ فإن الله تعالى منع أن يُنسب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم إليه، تنزيها لمكانته الخاصة؛ وهو قول الله: {وَمَا يَنْبَغِي لَهُ}، أي في نفسه؛ وإن توهم بعض الجهلة أنه شاعر؛ أو تقوّلوا عليه ليلبسوا أمره على من لا علم له. وأين الشعر الذي هو أرضي مظلم، من القرآن النور، المخبر عن الله. ونحن إن كنا قد ذكرنا سابقا أن عقول الشعراء شبه مطلقة، فذلك بالقياس إلى العقول المفكرة، التي تشاركها في الأرضية؛ وأما بالقياس إلى الكمال المطلق، فلا اشتراك.

ولقد ميّز الله طبقة الشعراء في قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ . أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 224 - 226]. ولما كان الشعراء يتبعهم الغاوون، الذين هم الضالون؛ فهذا يعني أنهم أئمة ضلال، بسبب عدم التزامهم الحق في كل ما يقولون، وتكلفهم في الكلام للحفاظ على الأوزان وتلازم المعاني. وقولهم ما لا يفعلون، هو من مفاخرتهم بأنفسهم، التي لا يرعون فيها المعايير كما هي في نفسها، والمستلزمة للإنصاف. ولما كان عرب الجاهلية على هذه الصفة، فقد جاء القرآن ليرفعهم إلى مرتبة العقول السائرة في طريق الكمال. وهذا السير، جعل الشعراء أنفسهم يتغيرون، كما أخبر الله في قوله: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} [الشعراء: 227]. فكان عمل الصالحات وذكر الله منهم، في مقابل الغواية الأولى؛ وكان الانتصار بعد الظلم، في مقابل المفاخرة الجاهلة.

ولما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أميا بالمعنى الذاتي، فإنه كان مطلقا إطلاقا لا يبلغه أحد سواه. ولهذا لم يصف الله أحدا من الأنبياء بالأمية سواه، وإن كان كثير منهم أميين بالمعنى العرفي. والإطلاق المحمدي، يجعل محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، مجهولا عند الخلق. ومن علم منه شيئا، من الأنبياء، أو من الورثة من هذه الأمة، فإنما علم منه ما يناسب عقله هو فحسب؛ فيكون العالِم قد علم منه نفسه لا غير؛ ويبقى ما هو خارج ذلك مجهولا، كما ذكرنا. ومن هذه الحيثية، فإنه يمكن القول بأنه لا يعلم محمدا على وجه الإحاطة، إلا الله. وإن كان هذا حال الأنبياء والورثة معه صلى الله عليه وآله وسلم، فما الظن بمن دونهم من العقول الفقهية أو المجردة!...

ولو علمت النصارى شيئا قليلا من حقيقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لانصرفت عن عبادة المسيح ابن مريم عليه السلام؛ لأن المرتبة الأصلية في الدلالة على الله، ليست له بالقطع. ونحن هنا لا ندعو إلى عبادة غير الله، ولكن ننبه إلى ما هو الأمر عليه، من غير زيادة ولا نقصان. والآن لمتعجب أن يعجب، كيف احتجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن عوام أمته، حتى ما عادوا يرونه إلا كواحد منهم!... نعني من هذا، أن انحجاب المسلمين عن حقيقة نبيهم، هو أعجب من عبادة النصارى لعيسى!...

ولما نطق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن في العرب، ميزه الخبراء فورا، وعرفوا أنه مخالف لشعرهم ونثرهم، من جهة المبنى والمعنى معا. وقد وصل الأمر بالمتأخرين من فقهاء اللغة لدينا، إلى القول بتصنيف العربية إلى نثر وشعر وقرآن. فالقرآن جنس مستقل من المباني اللغوية، وصنف مستقل من جهة المعاني أيضا؛ ما دام يخبر عن الذات ومراتبها، في مجتمع لم يكن يعلم من المعاني إلا ما له صلة بالأرضيات (مرتبة الأفعال وحدها).

إن العرب لما خضعوا لسلطة الوحي، لم يكن ذلك، عن إدراك عقل خرافي كما يزعم المغرضون؛ وإنما عن وعي بربانيته التي لم يكن لها من اشتراك مع البشري إلا الوعاء اللغوي من حيث ألفاظه وحروفه، نطقا ورسما. وهكذا، فإن جزيرة العرب ستكون منطلق النور والهدى إلى العالم أجمع، منذ ذلك الحين وإلى قيام الساعة. وهذا حدث فريد غير متكرر، لم تبلغ الأمة المحمدية نفسها إدراك حقيقته على عمومها، مع كل ما قيل فيه إلى الآن؛ وإلا لكانت اتخذت أيام عمرها كلها أفراحا بهذا الحدث السعيد، الذي جعله الله من نصيبها، فضلا ونعمة!...





......






رد مع اقتباس
  #6  
قديم 11-03-2018, 06:42 PM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي



العقل العربي ومآلاته -6-


دلالة المكان


إن ولادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة، ثم بعد ذلك نزول الوحي فيها، يدلان على أن مكة هي مركز الدعوة الإلهية بالأصالة. وقول الله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الأنعام: 92]، يدل على أن مركزية مكة للمعمور، هي من وجهين: الأول، لأنها أم القرى. ومعنى هذا أن اليابسة كلها قد خرجت منها (كما يخرج الولد من أمه)، لكونها كانت أول ما أظهر الله على وجه الماء. وقد جاء في الحديث: «أَوَّلُ بُقْعَةٍ وُضِعَتْ فِي الأَرْضِ مَوْضِعُ الْبَيْتِ ثُمَّ مُدَّتْ مِنْهُ الأَرْضُ.»[1]. والوجه الثاني، هو توسطها ما حولها من اليابسة حقيقة، لتكون بذلك عاصمة للأرض كلها. وكون مكة بهذه المثابة، يجعلها لا شرقية ولا غربية؛ لكون النسب تعود إليها لا إلى غيرها. فالشرق ما كان شرقها، والغرب ما كان غربها.

وبما أن الوسط في اللغة، أعلى الشيء، فإن مكة تكون لها الرفعة المعنوية، على كل بقاع الأرض. وبما أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، أعلى العقول مرتبة، فقد ناسب من هذا الوجه مكة، ليكون النبي الوحيد الذي يظهر فيها، بخلاف كل الأنبياء السابقين، الذين ظهروا فيما حولها. وكما كانت الكعبة رمزا إلى الذات، والطواف المسبع رمزا إلى أمهات الصفات؛ فكذلك كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذاتيا، والأنبياء صفاتيين. ولما كانت هذه الرفعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ثابتة من كل وجه، فإنها تعدت إلى أمته فضلا من الله ونعمة، كما أخبر الله في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].

وأما كون المدينة المنورة مهاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومهبطا لشطر الوحي، وموضعا للقبر الشريف؛ فيجعلها في المرتبة الثانية بعد مكة، كما كانت الحقيقة المحمدية (العقل الأول) في المرتبة الثانية من الذات. كل هذا، لأنه ما في الوجود شيء إلا الله على التحقيق؛ وكل مشهود في هذا الوجود، فهو كلمة قرآنية إلهية، تنبئ عن الأسماء الإلهية، التي هي المعاني الذاتية الغيبية. ومن يعطيه الله إدراك الترابط بين الأدلة والدلالات والمدلولات في الوجود، فإنه سيعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هو السر الذاتي المسمى إنسانا (من إنسان العين الذي هو بؤبؤها). ومن هنا كان المقصودَ لله من الخلق وحده، وكانت المخلوقات الأخرى مخلوقة له (من أجله)؛ فهي إذاً مخلوقة بالقصد الثاني. ومن هنا أيضا كانت كل العقول (وما في الوجود إلا عاقل) تطوف حوله طوافا ذاتيا، في انجذاب يشبه انجذاب الألفاظ إلى معانيها، والمعاني إلى ألفاظها؛ فكان مطلوبَ كل العقول، من كل طريق. ولكن ما عرفه، إلا من سلك السبيل التي دل عليها من قوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]. المحبة المذكورة في الآية، هي الجاذبية الرابطة بين الطالب والمطلوب، في كل عالم بحسبه. والمحبوبية التي يصل إليها المتبع باتباعه، هي بلوغ القصد من المطلوب. ومغفرة الذنوب، هي رفع توهم المغايرة، الذي كان لدى الطالبين أول طلبهم. وعلى هذا، فإن عقول الفلاسفة وأهل الفن وغيرهم، لا تطلب في سلوكها الفكري أو العقلي عموما، إلا معرفة ما ذكرنا، وإن لم تعلم ذلك.

وإذا قارنا بين العقول المجردة والتي تسير على السبيل المشروع، فإننا سنعلم لمَ كانت معرفة الحقيقة من نصيب أهل التدين دون غيرهم. ولكن ينبغي أن نفرق هنا، بين أهل التدين الرسمي، الذي لا بد له من أن ينحرف عن أصله لأسباب تظهر في الأمم كلها؛ وبين أهل التدين الحق، غرباء زمانهم، الذين يقتدون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم حقيقة.

ولو أن العرب المسلمين كانوا على وعي بمكانة مكة حقيقة، لجعلوا أمورهم كلها تعود إليها (لا نقصد هنا نظام البلد التي هي فيه). فمن ذلك، ينبغي أن تكون المرجع في التوقيت العالمي، وأن تكون المنطلق في دراسة طبقات الأرض، وما يتعلق بها من جاذبية وحركة هواء، ومن دراسة للفلك والسماء، وغير ذلك مما يكاد لا ينتهي. إن مكة التي يجعلها المسلمون قبلة في كل صلواتهم، من كل مكان في الأرض، تجعل العقول في كل وقت متوجهة إلى الله، في صورة حسية ومعنوية، لو تبيّنها الناس لوجدوها أعظم آية على إلهية دين الإسلام.

ومن يتأمل أحداث التاريخ الكبرى عبر العصور، فإنه يجدها تدور حول مكة، اقترابا وابتعادا؛ لو تمكن الناس من مشاهدة حركتها بسرعة تلائم إدراكهم، لعلموا أنها قلب الأرض الذي تجبى إليه كل أحوالها؛ يقول الله تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص: 57]. وسبْق معرفة أهل الجاهلية بمكانة مكة، كان يجعلهم -من دون أن يعلموا- متوجهين إلى الحق، منتظرين مبعث خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم. ولا يقدح في توجههم، أن يكون شطرهم قد كفر بما جاءهم من الحق فيما بعد؛ لأن المرء قد يطلب شيئا، ويضل عنه لسبب من الأسباب، كما هو معلوم. ومن كان خبيرا بشؤون الدنيا، فإنه يعلم هذا علم يقين. ولو غصنا في المعنى أكثر قليلا، لوجدنا شطرا ممن آمن بالدعوة أنفسهم، لا يعلمون حقيقة ما آمنوا به، ولا غاية ما وصلوا إليه. فكأن معرفة الحقيقة عزيزة إلى الحد الذي يجهلها معه المؤمنون والكافرون جميعا. وقد اصطفى الله لها من المؤمنين رجالا، جعل شرط وصالهم ذهاب عقولهم. ونعني بذهاب العقل هنا، فقْد حدوده وقيوده ليخرج إلى الإطلاق. ومن يخرج إلى الإطلاق، فإنه سيجد الأرض كلها مسجدا (حراما)، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ.»[2]. كل هذا، لأن الذات محيطة بالصفات والأفعال، لا يخرج عنها شيء من المعقولات، حسا ومعنى.




-----------------------------------------------------------

[1] . أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
[2] . متفق عليه، واللفظ للبخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.





.....................





رد مع اقتباس
  #7  
قديم 14-03-2018, 10:24 AM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -7-


العقل لدى الصحابة




الصحابة بالمعنى الخاص، هم الطبقة من الناس الذين عاشوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأخذوا عنه ظاهرا وباطنا. وما نريد أن ننبه إليه هنا، هو أن أخذ العقول عن العقل الأكمل، لا يكون من طريق السماع وحده كما يتوهم ذلك جل المتأخرين؛ وإنما يكون من طريق القلب (العقل) غيبا أيضا. وهذا الاستمداد المزدوج، هو الذي ارتقى بالصحابة رضي الله عنهم، من مرتبة العقل المعاشي والعقل المجرد، التي كانت سائدة في زمن الجاهلية، إلى مرتبة العقل المؤمن ثم الرباني.

إن ترقية العقول، التي تخرج أصحابها من دائرة المشترك (الجاهلي)، إلى ما لا عهد للعرب به، من إدراك وفطانة؛ ومن طريقة في المعاملات، تتخطى المصالح الدنيوية؛ ومن انخراط في مشروع أمة، ما كانت العرب تفقه له معنى؛ ينبغي لها (الترقية) أن تحظى بعناية كل الملاحظين والدارسين، من العرب أنفسهم، ومن العجم؛ وينبغي أن يُنظر في أسبابها ووسائلها، لمن كان من أهل الدين، علما وعملا؛ لأن هذه الطفرة، هي في الحقيقة أهم حدث بشري على الأرض، على مدى التاريخ من دون منازع. كل هذا، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هو المقصود بالتبليغ عن الله بالأصالة، كما كان من جهة حقيقته هو الواسطة الوجودية بين الله وجميع خلقه.

إن الصحابة -وقد كان جلهم أميين- قد انقلبوا من بشر مغمورين لا يؤبه لهم، إلى أئمة في العلم والأخلاق والبر؛ بل إن كثيرا مما وصلوه، يكاد يخرج عن طاقة البشر الذين أتوا من بعدهم؛ وكأنهم قد جاوزوا البشرية، ودخلوا في دائرة الأملاك المطهرين!... ويكفي أن نشير إلى صفة الصدق التي كانت شائعة بينهم، حتى لقد كان أقلهم شأنا، يشهد على نفسه، وكأنه قد باينها وجدانا. أما أكابرهم رضي الله عنهم فقد كانوا صديقين (مبالغة من الصدق)، يتقدمهم أبو بكر الصديق، الذي ما عرف أحد قيمته، إلا وعلم بعد ذلك أنه ما عرفه (مثال ذلك ما حدث بينه وبين عمر رضي الله عنهما زمن حروب الردة).

إن الصحابة قد جاوزت عقولهم الدنيا لتعقل الآخرة، كما وقع للحارث بن مالك رضي الله عنه، الذي أخبر بحاله في قوله: "أَلَسْتُ قَدْ عَزَفْتُ الدُّنْيَا عَنْ نَفْسِي، وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي، وَأَسْهَرْتُ لَيْلِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا؛ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا؛ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَضَاغَوْنَ فِيهَا -يَعْنِي: يَصِيحُونَ-؟"[1] ... بل إن كبار الصحابة كانوا يعقلون الله بإذنه؛ وهذا يعني أن عقولهم بلغت مرتبة الإطلاق. وهذا الحال مجهول لعموم الأمة، ولا يتعلق به علم العلماء. ولو أن الناس تأملوا قليلا معاملة الصحابة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما وسمها من تعظيم وتفان وفداء، لاستبانوا بعض ما أشرنا إليه من إطلاقهم؛ ولكن العقول لا تُدرك إلا ما هو من طورها بلا شك.

إن ما بلغه الصحابة من سمو للعقل، لم يكن في الأمم السابقة إلا للأنبياء عليهم السلام، إن علمنا أن مرتبة الوراثة في الأولين كانت للأنبياء في الغالب؛ ولم يكن من الورثة بالمعنى العام بينهم، الذي يشمل غير الأنبياء، إلا القليل. أما نحن -بحمد الله- فلا يخلو زمن من أزمنتنا من وارثين على قدم الأنبياء عليهم السلام. وهذه خصيصة اختص الله بها هذه الأمة من دون أخواتها. وهذا يرد على بعض جاهلينا، الذين يقولون بالفترة في زمن هذه الأمة. وكيف تكون فترة، والرسالة مستمرة نبوة ووراثة، إلى قيام الساعة؟!...

إن أعلى مرتبة يبلغها العقل هي الربانية. والربانية قسمان: نبوة ووراثة. ومعنى الربانية، هو حلول حكم الربوبية محل حكم العبودية من العبد الرباني؛ فيكون النور (الله) هو المدرك لذاته سبحانه على قدر العبد المتنور لا على قدر الله. وهذا أمر يغيب عن جل العقول، حتى لتظن القائل به منحرفا عن صحيح الاعتقاد؛ وهو ما خالف على التحقيق، إلا ما عند غيره من آثار الظلمة...

إن زمن تواجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الصحابة على الأرض، يربيهم ويرقيهم، هو غرة الزمان كله؛ بحيث لا يأتي زمان بعده مثله أبدا. وعلى هذا، وجب على الناس عرض أحوالهم على أشخاص الصحابة، ليعلموا منها السليم والسقيم. ومن هنا، فإن حديث: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، فَبِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ.»[2] ، صحيح المعنى، وإن لم يثبت من طريق أهل الحديث؛ لأن المقصود من الاقتداء، السير على الأثر ووجدان الأحوال، لا مجرد اتباع الأقوال، التي قد تصح أو قد لا تصح. والسير على الأثر لا يكون إلا بالتزكية كما تعلمها الصوفية.

وهذا الذي ذكرناه، هو السبب في كون القرن الأول (جيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم) خير القرون. وخيرية القرون التي تلي، لا تؤخذ إلا على العموم؛ وأما من جهة التعيين، فلا يمتنع أن يوجد في الأمة من يفضل الصحابة ولو من وجه واحد من الوجوه، ممن جاءوا بعدهم، رضي الله عنهم. والله سبحانه يفعل ما يشاء، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]. وهذا أمر جهله بعض القاصرين، فصاروا يتكلمون فيه بما لا يليق، ويجعلونه عقائد يروزون بها الناس بالباطل، ظنا منهم أن تنزيه الصحابة مطلقا ينفعهم. والكلام هنا لأهل العلم لا للعوام؛ لأن العوام ليس في مقدورهم تمييز ما نقول.

ولو أننا عدنا إلى موقعة صفين، ونظرنا إلى اختلاف الصحابة في الرأي، لميّزنا ثلاثة أقسام رئيسة: قسم هم من كانوا مع علي عليه السلام (وهم أهل الحق)؛ وقسم هم من كانوا مع معاوية (وهم أهل البغي)؛ وقسم هم من توقفوا (وهم من لا علم لهم في هذا الأمر على الخصوص). وهذا يجعل الثلث منهم، وحدهم، هم من كانوا على تعقل صحيح. والسبب في هذا الاختلاف، عدم إلفهم رضي الله عنهم للخلافة، وقد كانوا على نبوة، قبل مدة يسيرة. وقد شاء الله لهم هذا، ليَحق على الأمة ما قُضي عليها في الأزل، من افتراق واقتتال. فكان دخول زمن الخلافة مؤذنا بفتح باب البلاء الذي رأيناه يتزايد مع المراحل التي ستعقب. كل هذا، والصحابة، حكم المخالف منهم (الذي لم يكن مصرا على الباطل وهو يعلم) حكم المخطئ إن شاء الله، وإن أدى الأمر إلى استشهاد بعضٍ منهم جراء ذلك. والشهادة في حق المؤمنين كرامة، كما هو معلوم...




-------------------------------------------
[1] . المنتخب من مسند عبد بن حميد.
[2] . موافقة الخُبْر الخَبَر في تخريج أحاديث المختصر لابن حجر العسقلاني (1\148-145)






...........................






رد مع اقتباس
  #8  
قديم 18-03-2018, 08:48 AM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي





العقل العربي ومآلاته -8-




العقل والخلافة







عقل الخليفة مطلق كامل، يستمد من العقل النبوي؛ وهو لا يظهر إلا بعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الدنيا. والخلفاء لا يخلو منهم زمان، لضرورة وجود الوساطة الوجودية بين الله والخلق. وأما الخلفاء المعلومون في الظاهر للعموم، والذين لا يتجاوز عددهم اثني عشر، فهم نخبة من بين الخلفاء، جمعوا بين خلافة الظاهر (الحكم) وخلافة الباطن (ربوبية العالم (من التربية)). وكل من يحصر الخلافة الإلهية (النبوية) في هؤلاء وحدهم، فهو واهم.

ولما كان الصحابة قد ألفوا الأخذ عن العقل النبوي، فإنهم قد تغير عليهم الحال كثيرا عندما انتقلوا إلى الأخذ عن الخليفة، الذي كانوا يرونه واحدا منهم قبل مدة قليلة. هذا فيما يرجع إلى عوامهم؛ وأما الخواص، فإنهم ما لبثوا أن عرفوا مرتبة الخليفة الأول أبي بكر رضي الله عنه، بعد زلزال وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي مروا به، كل على حسب مكانته (مقامه). وفي حجْب بعض كبار الصحابة عن خلافة أبي بكر، حكم إلهية ستظهر آثارها في كل الأزمنة التي ستأتي بعد ذلك... وإن كل القياسات العقلية التي يعتمدها أهل السنة والشيعة جميعا في هذه المسألة، هي قياسات مشوبة إن لم نقطع بفسادها كلية؛ لأن العقل لا يحكم فيها إلا بما تعطيه مرتبته؛ والأمر في حقيقته هنا، شطره غيبي. وكل العقول دون الكاملة، لا يوثق بأحكامها إلا فيما هو من طورها. ولو تنبه الناس إلى هذا الأمر، لكُفوا ضلالات كثيرة؛ ولكنها الحكمة الإلهية مرة أخرى...

إن جهل شطر كبير من الصحابة بمكانة الخليفة، جعلهم يكتفون بآرائهم الشخصية أو آراء من يرونه أهلا للرأي بحسب ترجيحهم. وهذا هو السبب المباشر في تعدد الاجتهادات لدى القرن الأول والذين يلونهم، والتي ستكون الأساس لبناء المذاهب الفقهية المختلفة على الخصوص، بعد ذلك.

ولما كانت الخلافة الكاملة (الظاهرة الباطنة) استثناء في حال الأمة، فإنه سرعان ما انقلب الحكم لدى المسلمين إلى مُلك. وهذا ينبغي أن يُفهم على أنه وضع جديد مراد لله، وإن كان مخالفا في بعض جزئياته لشرعه سبحانه. نقول هذا، لأن العقول الضعيفة تتوهم أن الأمر كان يمكن أن يكون بخلاف ذلك، لو أن المسلمين في كل زمن حرصوا على أن يقيموه كما هو في أصله. والحقيقة أنه لا يكون في الوجود إلا ما أراد الله، وإن كان المراد مما تجب مخالفته. وهذه مسألة لا يقوى على الخوض فيها إلا من كان مميِّزا بين ظاهره وباطنه؛ وأما العامة، فلا ينبغي تحميلهم ما لا يطيقون منها.

عندما ستنقلب الخلافة ظاهرة فحسب، ستنحجب جل العقول في زمانها عن العقل النبوي من وجهيه: الأصلي والوراثي؛ وستتوهم استقلالها فيما تتوصل إليه من رأي وفهم. وهكذا ستتسع دائرة الخلاف مرة أخرى، إلى أن تصل إلى التعارض المؤدي إلى الاقتتال، الذي نعرفه من تاريخنا كله.

ولما كان اختلاف العقول غير الكاملة أمرا حتميا، بسبب تعدد مراتبها؛ فإنه قد ظهر الاختلاف في استنباط الأحكام بسرعة فيما بينها. وهذا الاختلاف لا يعود إلى الاختلاف على النصوص الحديثية وجودا أو عدما، تصحيحا أو تضعيفا فحسب؛ وإنما شمل أيضا الاختلاف على فهم النصوص القرآنية. وهذه الصنوف من الاختلاف، هي التي كانت في الحقيقة وراء بروز علمي الحديث والتفسير، بالإضافة إلى علم الفقه الأصلي.

لكن العقول عند اشتغالها بالعلوم الدينية، صارت تنحصر شيئا فشيئا مع مرور الزمان، في العمل الفكري (التعمل) المحض، وصارت تبتعد عن التلقي -إلا فيما ندر- وكأن الدين مجال عقلي كالفلسفة. وقد استفحل طغيان الفكر لدى المسلمين، عند نشوء علم الكلام، الذي كانت تُبحث فيه العقائد بالمنطق العقلي وحده. وهنا وقع الانحراف شبه التام عن أصل الدين، من دون أن يشعر الناس بذلك. وكأن الانطلاق من القرآن والسنة في هذه العلوم، كان يوهم بأن الأمور باقية على أصلها. وهذا زعم، لا بد أن يطالَب أصحابه بالبرهان، كما لا يخفى.

وفي هذه المرحلة من الزمان، والتي توافق القرن الثاني للهجرة فما بعده، كان لزاما الاستعانة بالفلسفة، على الأقل من حيثما هي أساليب ومذاهب في النظر؛ كما صار المنطق علما لا يُستغنى عنه، من حيث هو ناظم ورائز...

إن ما حدث في هذه القرون الأولى من انبهام في إدراك الدين، ومن انفتاح على ما ليس منه في الأصل، ومن اقتصار للعقول شبه التام، على الكسب دون التلقي، هو ما سيجعل الدين ينفتح على ما ليس منه، حتى يعود عاملا فيه من الداخل، مولّدا مذاهب وفِرقا، ما كانت لتوجد في مجتمع الصحابة قط؛ وهو ما سيمكّن غير المسلمين فيما بعد، من دراسة الإسلام ومحاولة الحكم عليه، بسبب مشاركتهم أهله في المرتبة العقلية، كما هو معلوم لدى الفلاسفة والمناطقة واللغويين. وقد برز المستشرقون في بداية القرن التاسع عشر الميلادي، في تناول الدين، من هذا الوجه، حتى صاروا يصوغون له معالم تجاوزوا بها ما كان من إنتاج العقل المسلم نفسه. ولعلنا نعود إلى بعض التفاصيل، مما يدخل فيما ذكرناه، في فصول مقبلة إن شاء الله.

وعلى هذا، فإن ما حدث في القرون الثلاثة الأولى، كان هو الأساس لكل ما سيأتي بعده، وإن بدا أن بعض التفاصيل وليدة عصرها، لمن لم يكن واسع الإدراك.








................................





رد مع اقتباس
  #9  
قديم 22-03-2018, 09:06 AM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -9-




العقل زمن الأمويين





إن أهم ما يميز عصر الأمويين، هو تقهقر العقل السياسي من الخلافة إلى الملك؛ لأن هذا ستكون له آثار على فقه أحكام الحكم، التي ستُغيَّب إلى يومنا هذا. ومع سكوت الفقهاء عن أحكام الحكم، أو جهلهم لها كلها، سيعود الناس إلى حكم الجاهلية جزئيا؛ وسيؤدي هذا إلى مصادمة روح الشرع لدى عموم المسلمين. وهذا الوضع وإن لم يكن علمانية بالمعنى الذي يُعرف اليوم، إلا أنه علمانية تطبيقية جزئية؛ ستكون أساسا لكل علمانية تأتي بعدها.

ولما كان التدين متطلبا معاملةً لله، تشمل ضمنها معاملة الوجه الرباني في كل عصر، من نبي أو خليفة؛ فإن المـُلك سيصبح مانعا للناس عن هذه المعاملة، لدخولهم في تدين مقطوع أو شبه مقطوع. وهذه الحال ستجعل مريدي التدين الحق، يطلبونه حيث يغلب عليهم الظن بوجوده، بعيدا عن أصحاب السلطان. وستدخل الأمة مع هذا، في التدين المخلوط بالأيديولوجيا، كما حدث مع الفرق المختلفة والطوائف.

وما دام الأمر منوطا بالظن، فإن كل فرقة ستظن أنها على الدين الحق على التمام، دون غيرها. وهذا سيجعل الفرق كلها في النهاية على بعض التدين، من دون أن تشعر هي بذلك. وهذا يعني أيضا تعدد العقل المتدين، وإن عومل معاملة تميل إلى التعميم والإجمال في الغالب. ولقد كان من أهم خصائص هذا العقل المتعدد، إغراقه في عملية التفكر، إلى الدرجة التي ستعود معها العلوم الدينية، علوما عقلية بالمعنى الفكري؛ في نبذٍ واضح للعقل المتلقي، يكاد يكون شبه تام. بل إن التلقي ذاته، صار معدودا عند علماء الدين أنفسهم، ضربا من الخرافة واللاعقلانية.

ولعل أبرز من أرادوا الدلالة على أصالة التلقي في الدين، بعد الصحابة، الأئمة الذين صاروا ينفصلون في منهاجهم عن التيار العام، كالحسن البصري، ومن سيأتي بعده ممن يواصل على نهجه، كعبد الله بن المبارك والفضيل بن عياض وغيرهما. ومن هذا التيار، سيخرج بعد مدة، ما صار يُعرف بالتصوف، عند اكتمال تمايُز الفِرق فيما بينها، وظهور التفصيل في التدين، في مقابل ما كان على عهد الصحابة من وحدة.

وأما الاستبداد في الحكم الذي بدأ مع أول سلطان أموي، والذي هو مخالف للشريعة من جهة التأسيس من غير شك، فقد أسس لمنطق القوة السلطانية، بعد أن كانت الأمة لا تعرف إلا قوة الحق البرهانية. وهذا سيكون له أثره في توجه كثير من المسلمين إلى العلوم الكونية والعقلية التي لا تعتني بالآخرة، فضلا عن سواها مما يعطيه الدين بإذن الله. وكأنهم بهذا التوجه، يبتعدون عن موضع التنازع مع الحكام؛ بل إنه قد يرفع قدرَهم لدى السلطان عندئذ، إتقانُهم لعلوم يُحتاج إليها في مجالات عملية عدة، تخدمه وتخدم توجهاته. وهذا التوجه، سيقوى ويشتد، إلى أن يبلغ مداه في العصر العباسي مع حركة الإقبال على كل صنوف المعارف، كما هو معلوم، ترجمة وتصنيفا.

ومن غريب الأمر، أن يعُد المسلمون الإقبال على العلوم الدنيوية، دلالة على النهضة والرقي؛ وكأن الدين جاء لخدمة الدنيا وحدها، أو كأنه كان ناقصا بدونها!... ثم إن إعراب المسلمين عن حاجتهم إلى علوم الكافرين غير العملية، هو من إقرارهم بعدم جدوى الدين في كثير من وجوه حياتهم، من حيث لا يشعرون. وفي الحقيقة، إن الدين قد صار مجهولا عند أغلبية المنتسبين إليه، وإن أبقوا على بعض معالمه، من باب التراث الثقافي والأعراف. ونحن عندما نقول هذا، لا نبغي معاداة العلوم الكونية، وإنما نريد تمييز مرتبتها وعدم إحلالها محل ما يتعلق بالله وبالآخرة من جهة الإدراك. ويكفي في هذا، أن نعلم أن العلوم الكونية لا يتجاوز أثرها الدنيا؛ وأن الطبيب -مثلا- سينفصل عنه علمه بالطب مع خروج نفسه؛ ولن ينفعه شيء من ذلك في البرزخ؛ وسيعود جاهلا من جملة الجاهلين هناك، إن لم يكن على علم ديني إلى جانب الطب...

إن ما حدث عند انفتاح المسلمين على العلوم الكونية، هو أمر يوافق اتجاه خط التدين العام لدى الأمة، والذي سيسير انطلاقا من القرون الخيّرة، في اتجاه أزمنة الغفلة والفتن المتلاطمة. ولا شك أن العقول الغافلة والمفتونة، سينعكس إدراكها للحقائق وقتها، لترى أفضلية العلوم الكونية على العلوم الدينية في النهاية. بل إن هذا الانعكاس، سيكون أساسا لكل غزو عقلي تتعرض له الأمة في تاريخها؛ ومن ضمنه الغزو الاستعماري المباشر، الذي صار منافسا في المجالات الدنيوية، ومنتصرا فيها.

ولعل القارئ سيجد منا هذا الكلام دعوة إلى زهد ذميم، ما أكثر ما دعا فقهاء الزمان إلى نبذه. والحقيقة هي أن الذين يرون هذا، لم يخبروا صحيح التدين، المبني على المعاملة الصادقة لله، حتى نسمع لاعتراضهم. ولو علموا حقيقةً أنهم في تدينهم يتولى الله رب العالمين جميع أمرهم -مما يتوهمون أن لا طريق إليه إلا العلوم الكونية- بما لا يقارن، مع من أتقنوا الأسباب المعهودة، وبما هو من محض القدرة، لاستحيوا من ربهم أن يلتفتوا إلى شيء سواه، ولا سوى عند التحقيق!...

ولنضرب على هذا مثلا حتى يعقله من لا إلف له بما نقول؛ ولنأخذ مريضا بالسرطان -مثلا- أعيى الأطباء دواؤه، وتيقنوا من قرب وفاته، وصاروا يعدون الأقارب لتقبل المصاب بما يليق فحسب. فشاء الله أن يجعل عبدا من عباده، يتصل به قريب من أقارب المريض، ويتوسل إليه أن يفعل ما باستطاعته لعودة المريض إلى عافيته، رغم يأس الجميع. ويتدخل العبد ويستجيب الله، فيتفاجأ الجميع عند إجراء فحص طبي بغياب تام للمرض، جعل الأطباء يجتمعون ليدرسوا ما حدث، وليجدوا إجابة "علمية" مقنعة، دون فائدة... إن هذه الحادثة، ومثيلاتها، واقع لا مفر من الإقرار به. فهل نفعت العلوم الكونية، حيث نفع المدد الإلهي؟!... فلمَ إذاً يتسابق المبجلون للعقل إلى إثبات ما لا يثبت، وإلى تفضيل ما لا يفضل؟!... مع كون العقل لا يقبل تجاوز المجربات (الملاحظة)، ولا الإخلال بالمراتب!... فإن قيل: إن ما تذكره يدخل في باب الكرامات، وليس من شؤون العقل! قلنا: إن كل ما يحدث في العالم، هو كرامات، تعجز العقول الضعيفة عن إدراكها فحسب. يقول الله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105]...








...................






رد مع اقتباس
  #10  
قديم 24-03-2018, 10:51 AM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -10-




العقل زمن العباسيين






ليس العصر العباسي إلا تتمة للعصر الأموي، لذلك سيعرف زمن العباسيين استكمالا لما سبق، من انحراف عقلي لدى الأمويين، وإن كان يبدو في عين العقل القاصر نهضة علمية، لا زال البعض يتغنون بها إلى اليوم. وإن أهم ما تمكن ملاحظته بهذا الخصوص، ما يلي:

1. توسع البلاد الإسلامية، ودخول الشوائب العقلية التي كانت سابقة من حيث الوجود على الأرض، على العقل العربي الذي قد بدأ هو نفسه ينقطع -ولو جزئيا- عما دل عليه الوحي.

2. طغيان العقل الفقهي على العقل بالمعنى الكامل، وهو ما سيجعل الجانب "القانوني" يغلب الجانب المعرفي لدى الأمة. وهذا اختزال مخل للدين لديها؛ وإن بقي الأمر على حاله لدى أفراد معدودين.

3. تولُّد العقل المتفلسف الديني (الكلامي) عن العقل الفقهي من جهة، والعقل المجرد الفلسفي من جهة أخرى. وهذا العقل، وإن كان ضعاف العقول يعتبرونه رائدا، إلا أنه قد أصاب التدين في مقتل. وذلك لأن الدين في أصله طريق موصل إلى معرفة الله (الحقيقة)؛ ولما صار العقل مرجعا لنفسه في طريقة التوصل إلى المعارف عند النظر في النص، فإنه قد قطع الدين عن أصله وغايته، وإن بقيت الصورة الخارجية موهمة ببقاء الأمر على أصله. وهكذا فلن يعقل العقل إلا نفسه وحدها؛ نعني صورته العلمية. وهذا بالتأكيد هو العقم العقلي، وإن توهم أصحابه -لطول الطريق- غير ذلك!...

ولما كان الاعتزال هو التفلسف من داخل الدين، فإنه قد استهوى جل العقول المؤهلة، للنظر في التوحيد وفي الصفات الإلهية، بحسب ما يمكن أن يكون برهنة على كل ذلك، برهنة كلامية قد لا تكون منطقية دائما. ولقد وقعت المعتزلة في غلط منهجي، لم يزل عاملا لدى مَن بعدها من العقلانيين إلى اليوم؛ وهو روْم تحكيم العقل (المخلوق) على الله (الخالق)، في انعكاس لما هو الأمر عليه، غير خاف. ولقد بلغ الاستبداد العقلي مداه، عندما تحول استبدادا سياسيا في عهد المأمون العباسي. ولم يشعر الناس، أنهم بالمبالغة في تحكيم العقل (عقل مخصوص)، قد خرجوا عن أصول الدين...

ولقد أثر الاعتزال في العقائد العقلية لدى المسلمين جميعا، إما بكيفية طردية، وإما عكسية؛ فكان ذلك من أسباب ظهور العقائد الشيعية والسنية على السواء، كما هي في تفاصيلها. ورغم أن العقيدة الأشعرية والماتريدية، جاءت لترد على انحرافات المعتزلة بحسب القصد الأول، إلا أنها لم تخرج عن منهاجها العقلي في تأسيس العقائد؛ وهو ما سيجعلها متولدة عن الاعتزال ومتممة لمساره في النهاية. ويكفي دليلا على ما نقول، أن العقيدة صارت عند المسلمين منذ ذلك الوقت إلى الآن عقلية، من دون أن يسأل سائل نفسه: هل كان الصحابة رضي الله عنهم، على مثل ذلك؟!...

إن العودة إلى تحكيم العقل، قد نزلت بالأمة في عمومها من مرتبة العقل الرباني، إلى عقل بين منزلتي المتدين والمجرد. ومما زاد في انبهام الأمر على من لا علم له، استصحاب هذا النكوص العقلي لازدهار غير جلي، في مجالات العلوم الكونية، الذي يُعطي انطباعا بالتقدم والرقي، بحسب ما يحكم العقل المعاشي والعقل المجرد. ولم يتفطن عموم المسلمين، وهم من ضعاف العقول، إلى أن الأمر ليس منوطا بالدنيا وحدها؛ وإنما هو أبدي وشامل. وهذا الانحراف سيبقى مستمرا في الأمة، إلى أن تنضاف إليه في أزمنة متأخرة حركات عقلية مادية، تروم القضاء على الدين قضاء مبرما؛ وإن كان هذا لن يتم أبدا، بسبب السند الوجودي الذي للدين، والذي لا دخل لسلطة العقل فيه.

وفي الوقت الذي كان العقل العام، يمضي بعيدا عن أصول الدين، بقي العقل الصوفي الذي يعتمد التلقي عن الله في ترقيه، على الأصل الذي كان عليه خواص الصحابة. وهكذا سيستمر الاستمداد الخاص من العقل الأكمل صلى الله عليه وآله وسلم، وسيظهر عقل الجنيد دالا على هذا الطريق، ومؤسسا رسميا للتصوف، بما هو ربانية مستمرة، وإن جحدها شطر كبير من علماء الدين (الفقهاء والمتكلمون). وفي الحقيقة، قد وقع لهذه الأمة ما وقع للأمم السابقة من انحراف، وإن كان في حق هذه الأمة أخف وألطف، لشرفها وعناية الله بها.

نحن لا نريد أن نفتح الباب لكل تصوف سيظهر في الأمة بكلامنا؛ لأن منه من هو أشد انحرافا من انحراف الفقهاء؛ ولكننا نريد إعادة الاعتبار لطريق أصيل في التدين، بدأ مع الصحابة، وسيستمر إلى قيام الساعة. نعم، إن تمييز التصوف المعرفي السليم، قد يتطلب مجهودا، بسبب كثرة الصور الشائهة عنه؛ ولكن الأمر يستحق أن يُبذل في سبيل تحقيقه كل الجهد.

إن المرحلة التي ستأتي بعد العصر العباسي، ستعرف انتصارا للعقل المتلقي على العقل المفكر ولو نظريا؛ وسيكون أبو حامد الغزالي رضي الله عنه أبرز محددي معالمها بتصانيفه. إن الغزالي الذي تصوف بعد أن اشتغل بالفلسفة والكلام، قد دل على الأصل بالحجة والبرهان؛ حتى أفحم الخصوم وقطعهم. وإن كان بعض المتأخرين، يعدون الغزالي مغتالا للعقل العربي، ومؤذنا بدخول الأمة في عصر "الانحطاط"، فإننا نرى أنه -رضي الله عنه وجزاه خيرا- قد أنقذ العقل العربي المسلم، من موت مؤكد، يعود به إلى التجرد التام عن الدين.

لكن لا بد من ذكر أن الدلالة الغزالية، لم تفلح في العودة بالفقهاء الذين ألفوا استغلال سلطة لا تقل عن سلطة الحكام، إلى الجادة. وهكذا سيكون الانحطاط العام الذي طبع ما بعد العصر العباسي في الحقيقة راجعا إلى التخلف الفقهي السياسي، الذي مهد لمرحلة الاستعمار المباشر فيما بعد؛ وكأن الأمة على دين باطل، أو على غير دين (سبب إلهي)!...

إن فضح الغزالي لتهافت الفلاسفة، الذي هو سمة لهم عبر العصور، لم يستفد منه عبدة العقل إلى يومنا هذا، لشدة ظلمتهم، ولعدم إدراكهم ردود الغزالي التي لم تكن تخلو من نور. وهذا يدخل ضمن معرفة طريق الفكر بالكشف، التي لم نر من يعتني بها من الدارسين، رغم وجود نماذج لها في كل زمان.










....................................






رد مع اقتباس
  #11  
قديم 28-03-2018, 11:34 AM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -11-




الغاية





إن الغاية من العقل، إدراك الحقيقة. هذه الحقيقة قد تكون جزئية إجرائية، كما قد تكون كلية علوية. والعقول كلها، لها نصيب من إدراك الحقيقة بحسب مرتبتها. فأقل العقول إدراكا، والتي هي العقول المعاشية، تدرك ما تقوم به من ضروريات مادية؛ لكن هذا الإدراك يكاد لا ينفعها في تبيّن النسق العام الوجودي، الذي هو مطلب العقل الفلسفي، والعقل الديني.

إن العقل الفلسفي يعطي الانطباع بأنه أعلى العقول، عندما نجده يبحث عما وراء كل المـُدركات الحسية والمعنوية المعتادة. وقد يُظن في مقابل ذلك، بنزول العقل الديني عنه في المرتبة، عند تسليمه بما لا يُدرِك حقيقته، من شعائر وعبادات؛ تتوهم العقول الفلسفية أن التسليم بها، حتما هو مخالف للمنطق السليم. والحقيقة هي أن الدين إن كان ربانيا، فإنه يرتقي بالعقل إلى ما لا يتمكن من العثور على طريقه من نفسه أبدا، فضلا عن أن يعثر عليه هو ذاته (المقصود).

والغاية التي تسعى إليها العقول، إما عن وعي وإما عن جبلة، هي حقيقة الوجود، وما يُشهد منه في عالمي الحس والمعنى معا. وإدراك الحقيقة وإن كان حقيقيا، فإن الناس يتفاوتون فيه، إلى الدرجة التي قد توهم بالاختلاف، عند إنكار الأدنى ما قد يفوه به الأعلى.

ولما كان للحقيقة شأنان أحدهما الظهور والآخر البطون، فإن هذا قد جعل الزمان تحت حكمي هذين الشأنين، على العموم، فيما يتعلق بمسار البشرية جمعاء؛ أو على الخصوص، فيما يعود إلى أمتنا التي هي الآخرة في الأمم. وقد كان الحكم للبطون في كل الأزمنة عموما، التي كانت قبل البعثة المحمدية، في حين أن الحكم بعد البعثة قد صار للظهور. ولكن فيما يخص الأمة المحمدية وحدها، فإن الحكم انتقل من الظهور في النصف الأول من مدتها، إلى البطون في النصف الثاني. وإن أهم ما يميز هذا الانتقال، هو ظهور العقل الوراثي الأكبر، في الأمة بين القرنين السادس والسابع الهجريين، ألا وهو ابن العربي الحاتمي رضي الله عنه، والذي هو الختم المحمدي الخاص بهذه الأمة، في مقابل الختم المحمدي العام في البشرية كلها من جهة الولاية، والذي هو عيسى بن مريم عليهما السلام.

وظهور الشيخ الأكبر، كان مؤذنا بالدخول تحت حكم الباطن، وكان تجديدا للدين بفتح الباب على الحقيقة، لا يعلوه في ذلك إلا العقل النبوي المؤسس للدين بالأصالة. ولما كان عقل الشيخ ابن العربي بهذا السمو، فإن العقول الضعيفة قد سارعت إلى إنكار ما جاد به من علوم، حتى تُبقي على مكانة لها بين الضعفاء. لكن كل هذا لا يمكن أن يؤثر في حقيقة ما صار واقعا لا يقبل الانتفاء، وهو دخول العقل العربي الإسلامي مرحلة جديدة من مقاربة الحقيقة، ومن إمكان تحقيق الترقي، إلى حيث لم يكن الناس يظنون أنه داخل ضمن المتاح.

وسيعرف قيمة العقل الأكبري صنفان: الأولياء، الذين عرفوا أنه ينطق من مكانة لم يبلغوها؛ والفلاسفة الأحقاق، الذين ظهر لهم أنه ينطق من خارج دائرة العقل. ولقد عرف خواص الأولياء مرتبته الختمية من غير عسر؛ لكن عوامهم وطائفة الفقهاء، توهموا أنه متفلسف، خلط بين علوم أهل الطريق (التصوف) ومقولات الفلاسفة. أما الفلاسفة، فلجهلهم بطريق السلوك (السير) الديني، فإنهم لا يرونه إلا فيلسوفا أكبر؛ وهم بالتأكيد مخطئون في ذلك...

إن إدراك الحقيقة، ليس منوطا بالعقل كما يتوهم أنصاف العقلاء؛ وكأنها (الحقيقة) نظير لكل ما يتناوله العقل، ويدخل في دائرة تصرفه. ولقد جهل هذه الخصيصة التي للحقيقة جل العقلاء من داخل الأمة ومن خارجها، بسبب طغيان الكسب لديهم، وجهلهم بالتلقي الذي هو الأصل، كما ذكرنا مرارا. وإن التلقي (الوهب) قد عودي من قِبل المعادين لسببين اثنين: الأول: لأن جل العقول تقصر عنه، بسبب عدم صفائها، أو بسبب عدم اتباع الشريعة؛ والثاني: لأن الفقهاء ينزلون بالخطاب الديني، من مستوى الوحي إلى مستوى العقل المفكر، الذي لا يداني العقل الفلسفي عينه في كثير من الأحيان. وهذا الأمر قد أعطى انطباعا لدى من لا علم له، بتخلف الدين من حيث هو، عن الفلسفة. وقد نتج عن هذا الخلط ضرر كبير، لا زالت الأمة تعاني منه إلى اليوم. وزاد من ترسّخ هذا الانطباع، استمرار تقهقر العقل الفقهي ذاته مع مرور الزمان.

وأما اللبس الذي وقع فيه الفقهاء، فهو توهم كونهم على علم بالحقيقة، لمجرد اشتغالهم بالعلوم الدينية، بحسب عقولهم (مكانتهم)؛ فصاروا يدلّون بخطابهم على ما لا يدركون في الحقيقة. ومع قصورهم البادي، ظنوا أن لا مطلب وراء ما هم عليه؛ وكأن الدين لا يعطي غير ما وصلوا هم إليه. فحكموا على الدين -ولو من غير قصد- بالانقطاع المنتج للعقم. وهذا الانقطاع، هو الذي سيمكّن السلاطين على مر العصور، والسياسيين اليوم، من توظيف الدين توظيفا دنيويا، يضر بالناس ولا ينفعهم.

ومن شدة ما انطمست حقيقة الدين لدى الناس، صاروا لا يخطر في بالهم أنه مصدر للمعرفة، وأنه طريق إلى الحقيقة، يبلغ بهم -إن أذن الله- ما لا يبلغه التفلسف وإعمال العقل. بل إن جل المفكرين اليوم -لضعف عقولهم وإيمانهم- لا يرون الخلاص إلا في الانعتاق من الدين، إما كليا وإما جزئيا؛ من غير أن يمحصوا ما يظنون؛ وكأن الأمر فيه متسع للتجربة، التي قد تذهب بأجيال في سبل الهلاك، قبل أن يُعلم عدم جدواها. ولا يخفى هنا، ما للتقليد من مدخل في الأمر، ولا ما للعقل المعاشي من اعتبارات، يُقدمها على ما هو أولى باعتبار العقول الأرقى...









........................







رد مع اقتباس
  #12  
قديم 04-04-2018, 11:26 AM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -12-



التنظير للنكوص



بين القرنين السابع والثامن الهجريين، سيظهر عقل ضلالي، يلبس لبوس الدين، وهو ابن تيمية الحراني. هو عقل فقهي في أصله، تعلم طرائق الاستنباط وخبر المنطق، فظن -كما ظن غيره- أن بإمكان العقل أن يصل إلى الحقيقة من نفسه؛ فأعاد صياغة الدين من جهة العقائد، بحسب ما يراه هو، ومن دون أن يتأدب مع الله ورسوله في اقتحام ما ليس من طوره. ولم يخطر له أنه قد يدخل بابا من الضلال، سيجرف منه أجيالا متتالية، ويحمل أوزارهم.

لا بد أن نلاحظ أن العقل المضل، يكون أقوى من غيره في طريق التعقل المعتاد (الذكاء)؛ وإلا لما تمكن من إدخال الوهم والاشتباه على الناس. وابن تيمية حتى يقطع الناس عن الحق -وهو بلا شك مستمد وحيه من الشيطان (العقل المضل الأكبر)- نظّر لتوحيد يقطع فيه الناس عن العقل الأكمل صلى الله عليه وآله وسلم؛ وبهذا يُبقيهم على ظاهر من الدين، ويقضي قضاء تاما أو يكاد، على إيمانهم في الآن ذاته. ولقد قدم تنظيره في قالب فكري بسيط (نسبيا)، تتوهم العقول الضعيفة معه أنها على الحق المبين. ولهذا السبب، لم يتبع ابن تيمية من كل زمان، إلا أضعف الناس عقولا، وأبعدهم عن الكمال. وفي مقابل ذلك، قد باء الرجل بلعن من كل عقل مستنير من زمانه إلى اليوم...

إن الدين عندما يُنزع منه النور المستمد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قد يعود بعكس ما جُعل له، مفضيا إلى الشر المحض، الذي يفوق كل شر دونه، وإن كان هذا الذي دونه في الظاهر كفرا أو فسقا؛ لأنه سيستصحب معه عند الجاهلين مهابة الدين وحرمته. وهذا في الحقيقة هو ما أدخل الأمة في فتن لم تعهدها من قبل، جعلت طائفة منها، تتوهم أنها وحدها الناجية، تقتل عددا كبيرا من المسلمين، من غير أن تشعر بفداحة ما تقدم عليه. وقد بلغ الأمر ذروته من السوء مع ابن عبد الوهاب وحليفه ابن سعود، عندما استُحلت دماء عدد كبير من سكان الجزيرة العربية، بغرض إكراههم على اعتناق ما سيقلب الدين رأسا على عقب.

إن ابن تيمية وإن كان مسبوقا بالخوارج زمن الفتنة الأولى في تكفير المسلمين، إلا أنه سينفرد بالتكفير الممنهج، الذي ينشأ عن منظومة موازية للدين الأصلي؛ بعكس المكفرين الأولين الذين كان تكفيرهم عن رأي واحد (فتوى) خالفوا فيه الخصم. وهذا التكفير المنهجي، هو الذي سيُنتج في الأزمنة المتأخرة جيوشا من القتاليين، الذين يكادون يضاهون في الوحشية، ما عرفته القرون الوسطى الأوروبية. ورغم أن النتائج مخالفة لما رُبّي عليه الصحابة، إلا أنه لا أحد يريد أن يعيد النظر في المقدمات عند المتأخرين. وهذا يعني أن الأمر ليس منوطا بالعقل وحده، وإنما تدخل فيه اعتبارات أخرى سياسية، داخلية (من داخل الأمة)، وخارجية. ولسنا نعني بالخارجية، إلا ما كان ذا صلة بالحزب الشيطاني الدجالي العالمي، من وقتها إلى اليوم.

إن العقل التيمي لما انقطع عن الأصل النبوي، كان لا بد أن يصطنع أصلا يوهم به أتباعه أنه لم يغيّر ولم يُبدّل؛ فقال بمرجعية السلف بحسبه. والسلف ليسوا أصلا في الدين على التحقيق، وإنما هم مظاهر للتدين فحسب. وهكذا فإن كل ما سيعجز ابن تيمية عن إيجاد نص صريح له في القرآن أو الحديث، سيعزوه مرسلا إلى السلف. وسيتلقف ضعاف العقول من ذوي العقل المعاشي مقولته التي تناسب إدراكهم الاختزالي، ليُنشئوا تيارا عريضا في الأمة، سمي جهلا بالتيار السلفي. فكان هذا التيار صورة لجمود العقل المعاشي على ما يتصور أنه كان عليه من يعتبرهم سلفا. فظهر الدين في صورة أقل مما هو عليه العقل المعاشي الكافر، ليرسخ في أذهان المبشرين بالتغريب لدينا، أن النهضة لا يمكن أن تكون إلا بالقطيعة مع الدين نهائيا!... فكانوا مصيبين مخطئين!...

ولا عجب من أن الأمة مع القرن الثامن الهجري، ستبدأ شيئا فشيئا في الدخول إلى عصر الانحطاط الذي انتهى بها فريسة للمستعمرين من الأوروبيين الذين أعلنوا مع عصر "تنويرهم" التخلص من الدين بالمعنى الذي كان لديهم. وهذا سيجعل أصحاب العقل المعاشي لدينا يرون أن المدنية مشروطة بالتحلل من الدين، قياسا على الأوروبيين. هؤلاء قد خرج من بينهم "مفكرون" ليس لهم من الفكر في الحقيقة، إلا بعض تقليد -على قصور- للفكر الفلسفي الغربي بمختلف مدارسه.

مع ضعف العقل الفقهي، وظهور المفكرين المستغربين، سينحسر الدين داخل المساجد والزوايا صوريا، ليتوهم جل أهله أنه لا قِبل له بمقارعة العصرنة؛ وكأنه لا بد من مقارعة!...

وإن الحركة الدينية التي سيتزعمها جمال الدين الأفغاني منذ القرن الثالث عشر الهجري، لن تخلو من أثر للفكر الغربي، الذي سيزداد وضوحا مع محمد عبده ورشيد رضا بعده. وهذه الحركة التي سيقصد أهلها الإصلاح، لن تكون إلا محاولة مصالحة مع العقل الغربي الذي برع في العلوم الكونية حتى صار فيها إماما.

ولما كانت الغلبة العددية للعقل المعاشي المنبهر بالحضارة الغربية، فإن العقل العربي سيتنازل عن خصوصيته الإسلامية جزئيا، عندما سيعلن المرجعية القومية بديلا عن الجامع الديني. وقد ساعد في ذلك عرب غير مسلمين، وجدوها فرصة لاستعادة حق ظنوه قد سُلب منهم طويلا. من أبرز هؤلاء أنطون سعادة، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي.

إن اعتناق العقيدة القومية منذ بدأ، وحتى لما كان بذرة لدى الدولة الأموية، كان سببا في فقدان المنعة الضرورية لمواجهة كل أصناف الغزو الفكري الذي ستتعرض له الأمة، من ذلك الحين وإلى الآن. ذلك لأن المنعة لا تكون إلا سماوية، في معاملة لله رب العقول أجمعين.







..................






رد مع اقتباس
  #13  
قديم 10-04-2018, 01:01 PM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -13-



الهزيمة ونتائجها


إن العقل العربي الذي غلب عليه الجانب الفقهي الجامد، لم يصمد أمام العقل الغربي المعتضد بالفكر الرياضي والفلسفي؛ لأن برهان الأخير آني راهن، في حين أن برهان الأول قد كاد يقطع مع الراهنية منذ زمن. وإن اعتبرنا العقل العربي شرقيا (وهو كذلك)، والعقل الأوروبي غربيا، فإننا سنجد أنفسنا أمام صنفين من العقل، سيتباريان في جميع المجالات المعرفية. والواجب علينا نحن من منطلق البحث عن الحق، هو أن ننظر في هذا التباري، بما يجعلنا نظفر منه بالحق في النهاية؛ وإلا فإنه العبث الذي يقضي على معنى العقل، والذي قد بدأت دائرته في الاتساع في عصر الحداثة، ليستفحل أمره فيما بعدها، بحسب الاصطلاح.

وقبل أن نستمر في الكلام، فلنعد إلى معنى الشرق والغرب من جهة العقل؛ لنقول إن العقل الشرقي يتراوح بين العقل الإشراقي والنبوة؛ وهذا هو ما جعل ظهور جل النبوات في الشرق. وأما العقل الغربي، فهو العقل المنوط بالمظاهر الكونية والقوانين الناظمة لها؛ لذلك فهو عقل كفري في غالبيته. هذا من جهة الظاهر والعموم؛ وأما من جهة الباطن وخصوص الأمة، فإن العقل الشرقي شرعي ظاهري؛ والعقل الغربي (المسلم)، عقل ولائي غيبي. وإن عقلين متمايزين، يغلب على أحدهما عكس ما يغلب على الثاني، لا يكونان إلا خصمين (بالمعنى المعرفي) إن وُجدا في حلبة واحدة.

ولما كان العقل العربي في أضعف حالاته عند دخول العقل الغربي في عصر نهضته، نتج عن هذه المواجهة تأثير للعقل الغربي على نظيره الشرقي، لا زال ساريا إلى الآن. وإن أهم ما أصاب العقل العربي عند انهزامه ما يلي:
1. أصبح كل علم يأخذ مكانته في حياة الناس، يكون ذلك بحسب ما يُدركون منه عن طريق البرهنة أو التجربة فحسب. وهذا سيُصادم منطق التسليم في مجال الدين، وسيدفع علماء الدين أنفسهم إلى تكلف منطق فكري له، توهموا معه أنهم به قد يُجددون الدين، ويجعلونه مسايرا للعصر. من ذلك، منطق الإعجاز العلمي في الوحي، الذي شاع في زماننا. والعلماء في الحقيقة، ما زادوا على أن أضعفوا المنطق الديني لدى الناس؛ خصوصا إن علمنا أن من العلوم الدينية، ما هو فوق العقل نفسه، وإن كان هذا العقل في أعلى مراتبه المجردة.
2. لقد أُعطيت الأسبقية في حياة الناس، لما هو ظاهر ومادي ملموس، على حساب ما هو غيبي. وهذا فيه انحياز مخل، لا يخدم الغاية القصوى، التي هي إصابة الحق، كما هو في نفسه؛ خصوصا إن علمنا أن من المخلوقات الطبيعية، ما لا يُدرك بالحواس، كالجن؛ والأمثلة كثيرة في هذا الباب. وهذا يعني أن العقول ستقصر عن إدراك شطر من المحسوسات في النهاية، فضلا عن قصورها عن إدراك الغيب ذاته.
3. ولقد كان لكل ذلك، نتيجة سياسية حتمية، هي الخروج من الدولة الدينية (خلافة أو ملك)، إلى الدولة التي تُدار بما يتوافق عليه الشعب (نظريا)، وإن كانت محض استبداد. ولقد عمل على تأسيس هذا التحول، نظام التعليم الموروث عن المستعمر، والذي حمل في طياته الخلفية الفلسفية الخاصة به، من دون أن تعي الشعوب العربية ذلك في البداية.
4. انحصار اعتبار الفوز والخسران فيما هو دنيوي محسوس. وهذا سيُضعف الإيمان بالآخرة لدى الشعوب، ليصل إلى أدنى حد له في المرحلة التي نعيش. بل إن المنفعلين على التمام لهذا التوجه، قد ألحدوا (نبذوا الدين) وصاروا من أتباع العقل الغربي، دون أن يبلغوا التغرب التام، الذي يكونون به غربيين. وهذا من أعجب ما يكون، لو تفطنوا!...

إن دخول العقل الغربي على الشرقي بهذا العنف، لن يُنهي الصراع بينهما، كما توقع الغربيون وأتباعهم، في مدة قصيرة؛ بل سيفتح موجات من المواجهة، ستزداد حدتها، مع بدوّ عجز العقل الغربي عن تفسير كثير من الظواهر الكونية؛ وعن ضمان قدر من تحكم الناس في حياتهم، بحسب ما يقتضيه المنهج الفكري؛ وإلا، فإن الأمر يحتاج إلى إعادة نظر من الجميع، وفي كل شيء...

إن الماديين، لا بد أن يكونوا قد لاحظوا تغير النظريات الفيزيائية، من النيوتونية، إلى النسبية، إلى فيزياء الكم، إلى غير ذلك مما لا ينتهي... إن النظريات التي كانت تؤسس لثبات المادة، حتى يثبت بها غيرها مما هو منبثق عنها، قد انتهى بعضها؛ بعد الغوص في الذرة بدءا من البروتون والإلكترون، ومرورا بالبوزون، إلى الفراغ، بحسب بعض الفيزيائيين. فإن كان الفراغ أصلا للمادة، فماذا سيبقى من المادة، بحسب التصور العام؟!...

إن العلوم المادية الخاضعة للتجريب والقياس، رغم التقدم الحاصل فيها، لم تساعد على الإجابة عن الأسئلة الوجودية؛ بل قد زادت من إلحاحها؛ لدى العلماء على الأقل. وإن الموت الذي ينتقل معه العباد من هذه الدنيا، التي عُلم منطق فيزيائها، إلى عالم ذي فيزياء مخالفة، لا بد أن يجعل الناسَ يعيدون النظر فيما كان من الثوابت لديهم، عندما تصير متغيرات!... من يمكن أن يُكلّمنا عن النفوس بعد الموت؟... وعن صفاتها والعلاقات التي بينها: الجاذبية، والتنافر، والأحجام، والنفاسة، والتركيب، وغير ذلك؟... أما من لا يؤمن بما بعد الموت، فلا كلام معه؛ لأنه يشبه الأعمى الذي ينكر الأشياء، لكونه لا يراها هو فحسب. وهذا المنطق، لا يُعتبر إلا عند أهله، إن كانوا قد جمعوا بين الحمق والعمى جميعا؛ وإلا فإن العاقل سيستدل بإدراك غيره من الناس على المبصرات ذاتها، التي لا يُدركها هو.

إن العلوم التي لا تُجاوز الدنيا، والتي هي مع ذلك نسبية وجزئية، لا يُمكن أن يُعتدّ بها، في عالم الأبد؛ ما دمنا نشاهد بالحس قِصر مكوثنا في الدنيا، ولا نشك فيه!... أيكون العلم متعلقا بما هو وقتي، مع تمام الجهل بما هو أبدي باق؟!... لا بد أن الإجابات عن هذه الأسئلة تعود إلى مقدار إدراك المرء للوجود، بما هو وجود؛ لا بما هو ظرف لحياة أولى...

رغم كل ما يقال وما يُظن، فإن العقل الغربي من أجهل العقول بالحقائق؛ والعقل العربي له في مقابل ذلك باب إليها، لو أنه عرف قدره، ولم يلهث خلف الأول يقتدي به على غير بصيرة...





..........................






رد مع اقتباس
  #14  
قديم 15-04-2018, 09:44 AM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -14-




المكان والزمان



إن إدراك الأشياء على حقيقتها، لا يكون إلا للربانيين؛ لأن معرفة الحقيقة لا تكون إلا بالإذن. ولما جهل أهل الكفر وأهل الغفلة من المسلمين هذا، فإنهم أسلموا الرأي لحواسهم وعقولهم، وظنوا أنهم قادرون على ما يرومون؛ وهيهات!...

وإن من أصعب الأمور إدراكا، وأشدها غموضا، أقربها إلى العباد وألصقها بهم؛ ومن ذلك المكان والزمان. فالمكان (من المـَكِنَة)، وهو الأصل الذي يستند إليه المخلوق في الحس. وأثره على الإدراك لا يخفى، لأنه محيط مكتنف؛ لا يمكن الخروج عن حكمه إلا لأفراد هم أهل الإطلاق. والإطلاق لا يُتصوّر، ولا يُعلم إلا ذوقا.

ثم إن حقيقة المكان، التي تكاد تبلغ درجة الوجوب في نظر العقول الضعيفة، لا تخرج عن الإمكان. ومن هذا الباب نُطق السياسيين الكاذبين بعبارة "البقاء للوطن"... والإمكان مصحوب بالعدم على الدوام. ومع أن هذه الحقيقة مقررة لدى جل العقول نظريا، إلا أننا سنجد الأمر مخالفا لما هو عليه عمليا. ولا يشهد إمكان المكان (العالم)، إلا من كان ينظر بالله من العباد؛ وأما غيرهم، فإنهم لا يطيقون ذلك؛ وربما قد تذهب عقولهم، لو لاحت لهم لائحة منه.

إن كل ما ذكرنا، نريد منه أن القياسات العلمية والاستنتاجات، والتجربة والملاحظة، المعتمدة في معرفة العالم، وفي أحيان كثيرة في معرفة حقيقة العالم، كما يزعم الفيزيائيون وأهل الفلك وغيرهم، ليست إلا إمكانا في إمكان. والممكن حقيقته غير ثابتة، ولا يعطي إلا إمكانا علميا من سنخه؛ إذا توهم المرء يقينيته، فإنه يكون مجانبا للصواب، وواقعا تحت تحكم الوهم. وإن الإمكان الذي نتكلم عنه هنا، ليس الإمكان العقلي الذي قد تستوعبه العقول المحجوبة؛ وإنما هو الإمكان الشهودي، الذي تعده هذه العقول حقا وحقيقة.

وإذا كان إدراك المكان لا يتأتى لكل أحد، فكيف بالزمان الذي هو ألطف منه. والزمان ألطف من المكان، لأنه نسبة عدمية، ناشئة عنه؛ فكأنه بهذا إمكان الإمكان. ومع أن الزمان بهذا الغموض لدى العقول المحجوبة، فإنه يدخل في جل حساباتها، وكأنه أمر وجودي ثابت. وحتى الذين قالوا بعدمية الزمان، أو أشاروا إليها من الفيزيائيين، فإنهم يفعلون ذلك في عالم التجريد العقلي، ولا يتمكنون من مشاهدة ذلك في الواقع الحسي؛ لشدة غلبة ظلمة النشأة الطبيعية عليهم.

والنسبية التي يدخل الزمان في تعقلها، لم تكن لتصح لولا عدمية الزمان الأصلية. ومن يتأمل النسبية بجميع معانيها، لن يجدها تخرج عن الإمكان ذاته بوجه ما، والقابل أحيانا للتشعب والتسلسل والتعدد. وأما من يجعلها أساسا ثابتا، للعالم في ذهنه، فإنه سيكون كمن يريد أن يجعل الإمكان أساسا لإمكان ثان؛ وهذا من أشد الأمور مشقة على العقول. ولقد نبه الله تعالى إلى هذا، عبر مثلين ذكرهما لأعمال الكفار (الكفار هنا، هم من لا علم لهم بالحقيقة؛ والأعمال، يدخل ضمنها عمل عقولهم)، فقال سبحانه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور: 39]. والمعنى هو أن من لا علم له بالإمكان، فإنه يظنه وجودا تاما، ويبني على ذلك معتقداته (ومنها حساباته العلمية المجردة)، فإذا أماط الله له الحجاب، شاهد الوجه العدمي الذي للإمكان، وميزه عن الوجه الوجودي منه، والذي ليس إلا الله. فإذا صح منه هذا العلم، فإنه يعيد حسابه، ليعطي كل ذي حق حقه: الوجود لله، والعدم للصورة الإمكانية. ثم يقول الله تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40]، ليدل على أن معرفة الإمكان عن طريق التوغل فيه، لا يزداد المرء معها إلا بعدا. والسحاب المذكور، هو التجريد الذي يغلب على العقول، إن هي تمادت في النظر إلى الإمكان بنفسها؛ لأن العقل ذاته إمكان؛ والإمكان لا يُعلم من الإمكان، وإنما من الوجود؛ وهو الذي سماه الله نورا. فمن كان من الناس وجوديا، ذا نور، فإنه سيعلم ما ذُكر؛ وإلا فإنه سيُبعد في الظلمة، إلى حد تنكُّرِه لنفسه، من شدة الحيرة. وهذا هو ما يشير إليه قول الله تعالى: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40]. فهل بقي لمن لا يرى يده، كلام عما هو أبعد منها؟!...

وأما القول بتقدم العقل في اتجاه خط الزمان حتما، فلا يصح؛ لأن من العقول التي سبقت في الزمان، ما يشهد بتقدمه في المرتبة، الخاص والعام. والكلام ليس مقصورا هنا على الأنبياء، الذين يُعدون طبقة لوحدهم عليهم السلام؛ وإنما يتجاوزه إلى من هم دونهم. وأما التقدم التقني الذي يتزايد مع الزمان، فإن له صلة بالمظاهر العامة المعاشية، لا بالعقول وحدها. وهذه المظاهر تعود إلى أصل في التجليات الإلهية، يخص عقولا بعينها من هذا الوجه، لا كل العقول.

وبما أن إدراك الواقع المحسوس، منوط في معظمه بإدراك المكان والزمان، فإنه بانحجاب العقل عن حقيقتيهما، سيُحجب تبعا لذلك عن حقيقة الحس نفسه؛ وهذا بخلاف ما تعتقده العامة من سهولة إدراكه. وهذا يعني في النهاية أن قليلا من العقول من تدرك العالم المحسوس على حقيقته؛ ويعني أيضا، أن الإدراك العقلي نفسه، لا بد أن يعود على الحس؛ وإلا فإنه يكون مقطوعا، لا فائدة منه.

ومن ينظر إلى مسيرة العقل المفكر، عند الكافرين، فإنه سيجده -رغم إنجازاته التي يتوهم أنها له حقيقة- لا يتمكن من التحكم في مآلات الأمور؛ وأنى له!... وإن العقل العربي المسلم، بسبب انهزامه المرحلي أمام العقل الغربي، لم يخن نفسه فحسب، وإنما هو قد خان نظيره الآخر أيضا، لإقراره له على ما هو عليه، من غير تبيين للشروط وللنتائج، كما هي بالتفصيل.

ورغم أن العقل العربي -كما كان زمن الغزالي- قد كان منارة يُهتدى بها؛ إلا أنه في الأزمنة المتأخرة، قد تخلف حتى عاد يستهدي بالعقل الكافر، من غير تحرج؛ {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الملك: 22].





.............................






رد مع اقتباس
  #15  
قديم 21-04-2018, 09:44 AM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي


العقل العربي ومآلاته -15-



شرف الحس




إن كثيرين يظنون أن الدين يتجاوز الإدراك الحسي، وينقطع تبعا لذلك عن الواقع، جزئيا على الأقل. وهذا ما أدى منذ البداية، إلى عدِّه ميتافيزيقا لدى الأقدمين. وقد أكد هذا الوهم، الفهم المغلوط للزهد، من كونه حالا للمؤمن. والحقيقة هي أن الدين يحث على التخلص من تأثير الحس من جهة التربية فحسب، حتى يتمكن العقل من الانطلاق شطر المعارف العليا؛ لكن هذه المعارف نفسها، لا بد أن تعيده إلى الحس، بوصفه تكثيفا للحقائق في أبهى صورة ممكنة. فإن لم تُعده إلى الحس، فإنه يكون غير كامل بالتأكيد؛ وإن بدا غير ذلك، لمن لا علم له. ولقد نشأت عن هذا الجهل بحقيقة الدين، نزعات متطرفة في التزهد، كما كانت الرهبانية عند النصارى.

وأما قول الله تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7]، فيدخل فيه الكافرون بالمعنى الأكبر والأصغر؛ ونعني أهل الكفر والعامة من المسلمين. وعلمهم بظاهر الحياة الدنيا وحده، يعني جهلهم بباطنها، الذي منه حقيقة الحس. لهذا، فمن يزعم من أهل العلوم الكونية علما بالمحسوسات (المادة)، فإننا نكذبه، ونقول له: إنما تعلم بعض ظاهرها. كل هذا، لأن الحقائق تظهر في الظاهر وتبطن في الباطن؛ وهي هي.
وأما إمكان الحس، فلا يعلمه إلا العارفون، ولا يشهده على الدوام إلا الأكابر منهم. وهو من أعجب ما يطلع الله عباده عليه. ولا يشبه ما ندل عليه هنا، إلا ما نراه من حقيقة الكمبيوتر، الذي لا تكون فيه المعلومات على اختلاف أجناسها، إلا أكوادا مركبة من الآحاد والأصفار. وإن أردنا المطابقة بين الحس والكمبيوتر، فإن الواحد سيكون للوجود الظاهر، والصفر للصورة العدمية، حيث كانا. والمجموع العائد إلى الواحد والصفر معا، هو الإمكان الظاهر في صور كل الممكنات.

والأشياء تكون مجموع إمكانات على حسب التركيب الذي فيها. وكل ما هو وجود فيها، هو آحاد؛ وكل ما هو أعدام هو أصفار. وهكذا يكون لكل مشهود في العالم، كود لا نظير له؛ وهو الاستعداد. وعلى هذه القاعدة، ينبغي فهم القرآن، عندما يُثبت أو ينفي. غير أن ما نذكره هنا، لا تتمكن العقول المظلمة من إدراكه، وإن كانت من أعلاها. وهذا هو السبب في جهل الفيزيائيين والفلاسفة لحقيقة العالم، وإن أرادوا مقاربتها من وجوه عدة قد تبهر العامة.

وإن كانت العقول، تعجز عن إدراك الحس وهو الأقرب إليها، فكيف تزعم بعد ذلك إدراكا للحقيقة الكلية؟!... وأي إدراك حسي، هذا الذي ينتهي إلى إدراك العدم؟!... نقول هذا، لأن كل العقول العلمية التجريبية، رغم يقينها أنها على علم ثابت صحيح، ليس لها من العلم إلا الاسم. وأما الفلاسفة، فهم صبيان العقلاء؛ يتشبهون بمن لا يبلغون شأوهم من جهة ظاهر المعنى. ثم إن حقيقة العلم، لا تؤخذ من جهة العادة والتلقين، اللذين يكونان عن التربية الاجتماعية؛ ولكن عن الله الحق رب العالمين. ولسنا نعني هنا فهم القرآن بآلة العقل؛ وإنما نعني فتح الله لعباده في كلامه. وهذا هو ما سميناه سابقا التلقي؛ ويسميه غيرنا (ونحن معهم) الكشف.

إن المحسوس، لا يدل حتما على الثبوت، كما تتوهم العقول الضعيفة. وإن اختلاف العوالم مع اشتراكها في كونها محسوسة، لا يعني أنها مدركة دائما. والتوازي الحاصل بين العوالم والتقاطع، لا يكون دائما مدركا للجميع. وبهذا يكون الإدراك الحسي لدى المدركين نسبيا من غير شك. فإذا أضفنا هذه النسبية العامة، إلى النسبية الخاصة، التي تجعل العالم الواحد، غير مدرك إلا جزئيا من جهة الحس؛ فإنه سيظهر مدى غياب إدراك المحسوس بالمعنى الشامل. هذا إن لم يزد العقل الضعيف من تحريف الإدراك الحسي، فتصير الظلمات طبقات، بعضها فوق بعض.

إذا كان العقل (المشترك)، لا يدرك المكان والزمان على حقيقتيهما، ولا يُدرك المحسوسات على حقيقتها، فماذا بقي له من الإدراك!... وإن من تكون حاله هذه، ولا يبحث عن تقويم لإدراكه، ويمضي على ما هو عليه، إلى حين انقضاء عمره، لا يصح أن يُعد عاقلا، إلا عند من هو أضعف منه عقلا!...

أما إذا كان المكان أمكنة، والزمان أزمنة، فللمرء أن يتصور مدى الجهل بالحس. ومن كان على هذا الجهل، فكيف يزعم أنه يعلم سبيله في العالم! وكيف يكون آمنا على نفسه، مع كل هذا الجهل!...

إن الحال التي نشير إليها، هي ما سماها الله غفلة مرة، وسماها عمى وصمما مرة. نعني أن من لا يرى العالم على حقيقته، فما رآه؛ وهذا هو العمى. ومن كان أعمى، فكيف يوثق في وصفه للعالم، وهو لا يراه!... يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179].

إن العمى والصمم اللذين ورد ذكرهما في القرآن، يفهمهما كثير من الناس على أنهما مجاز؛ وهما حقيقة!... لا يعلم حقيقة العمى إلا من رد الله عليه بصره؛ ولا يعلم حقيقة السمع، إلا من أسمعه الله!... {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأنفال: 21]؛ أي: لا تظنوا أنكم تسمعون، في حال كونكم لا تسمعون!... الحكم منكم لا يصح!...

وعن ابن سلام رضي الله عنه، وقد كان يهوديا فأسلم، أنه قال: [إِنَّا لَنَجِدُ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يعني في التوراة): إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ. أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي؛ سَمَّيْتُهُ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ؛ وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَتَجَاوَزُ. لَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّى يُقِيمَ الْمِلَّةَ الْمُتَعَوِّجَةَ، بِأَنْ يُشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ نَفْتَحُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًا، وَقُلُوبًا غُلْفًا.][1] . فمن أراد من الناس أن يُفتح قلبه وحواسه، فعليه أن يلتمس النور من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الفاتح لما أغلق. وسيجد هذا الوعد الإلهي حقا، وسيفرح بنعمة الله عليه.

لكن المسلمين، الذين يزعمون في أنفسهم أنهم أتباع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، قليل منهم من يجد ما ذكرنا. وقد زاد بعضهم أن شك في الدين، وتوهم أنه كغيره من الأديان، مبني على أقوال ملفقة، لا أساس لها. والحقيقة هي أن الخلل في المسلمين وفي اتِّباعهم. ولو أنهم حققوا الاتباع، لصحت لهم النتائج. ولولا أن الفقهاء قد غشوا الناس بإقرارهم على الباطل، لسهل عليهم تمييز ما نقول من أول نظرة.


[1] . أخرجه الدارمي في سننه.







...................






رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الشبكة الليبرالية الحّرة هي شبكة ذات إدارة من مختلف الدول والأقطار بالعالم، وهي لا تمثل أو تتبع بأي شكل من الأشكال أي دولة عربية أو غير عربية، وعليه فإننا نؤكد أن جميع المشاركات تعبّر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الإدارة.
الساعة الآن 06:02 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd