العودة   الشبكة الليبرالية الحّرة > الأقسام العامة > أصداء الصحافة والإعلام

الملاحظات

قائمة الأعضاء المشار إليهم في هذا الموضوع:

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #16  
قديم 28-04-2018, 11:38 AM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي


العقل العربي ومآلاته -16-


تقهقر العقل الفقهي

إن العقل الفقهي هو العقل المفكر لدى العرب المسلمين؛ والمفكرون بالمعنى الخاص، هم الفقهاء كما هم في الحقيقة. والشرع الذي أباح للفقهاء استعمال الفكر، فإنه قد حد لذلك حدودا، منها أن يكون الفكر في مجال الأحكام، الذي هو من التشريع القانوني بالمعنى العام. ولم يُجز الشرع للفقهاء إعمال الفكر فيما عدا ذلك، إلا فيما هو مشترك بينهم وبين عموم المسلمين من اعتبار. وأما العلوم الدينية مما سوى الفقه، فليست منوطة بالفكر، وإنما بالإلقاء (الكشف). وهذا يكون بحسب درجة قرب العبد وتنوّره. والخلط بين الفقه بالمعنى الاصطلاحي، والفقه بالمعنى اللغوي، كان من غير شك، من أسباب التخلف، التي ننبه إليها هنا. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم، عندما قال: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ.»[1] ، فإنما كان يعني التفقيه الرباني الكشفي بالدرجة الأولى. وإذا كان المعنى الاصطلاحي يدخل ضمن الحديث، فإنه لا بد أن يكون في الدرجة الثانية. ولكنّ الفقهاء بقصرهم المعنى على ما يناسبهم، قد عملوا على تحريف الدين تحريفا خطيرا، نشأت عنه جل الأضرار التي تعاني منها الأمة اليوم.

وأما من جهة ثانية، فإن الفقه قد زاد ضعفا عندما بدأ يشتغل به أصحاب العقل المعاشي، الذين هم غير مؤهلين لذلك. وقد وقع هذا، عندما صار "التفقه" سببا للارتزاق ونيل الحظوة عند أهل الدنيا. وبما أن المعاشيين لا يهمهم إلا الرزق، فقد صار الفقه معهم حرفة كسائر الحرف. والعامة لا يميزون بين الفقيه الأصلي ذي الملكة، والفقيه المعاشي؛ فنشأ هذا الخلط الذي هو من أقوى أسباب تخلف الأمة بلا ريب.

وإن كان الفقهاء الأصلاء، يتقون الله في علمهم ويتحرون إصابة الحق، فإن المرتزقة قد صاروا يبيعون الفتوى لمن يدفع أكثر. بل إنهم سيوالون في بعض مراحل تاريخنا، الأجنبي الذي قد يكون عدوا للأمة، وسيفتحون له بابا إلى تحقيق أغراضه؛ وهذا من أسوأ ما وقع لنا.

لقد دخل الالتباس على المسلمين منذ القرون الأولى، عندما لم يجدوا أئمة الفقه يتكلمون عن فقه القلوب، وعن حلالها وحرامها؛ فظنوا بذلك أن الدين لا يتجاوز الظاهر من الأحكام. ولقد كان حريا بالأئمة أن يدلوا على أولئك الذين يفوقونهم في العلم بالدين، حتى يُبقوا الدلالة على الدين كاملة. نعم، لقد فعلوا بعض ما ينبغي فعله مع الأئمة من آل البيت عليهم السلام، زمن الأمويين والعباسيين؛ لكن الأثر كان قليلا، إن نظرنا إلى النتائج النهائية اليوم. ولا يخفى ما كان يتعرض له أئمة الفقه من إرهاب الدولة، منذ بداية عهد الأمويين؛ وإن كنا نرى أن إعلان الحق وتبيين أحكام الدين، كانا يقتضيان أكثر مما فُعل في مواجهة الاستبداد، من غير شك.

إن كان الدين منذ القرون الأولى قد تعرض للتحريف، بالقدر الذي كان، فما الظن به عندما ستحتك الأمة بالحضارات المختلفة إبان الفتوحات؟! وما الظن عندما تُستعمر بلاد الإسلام ويحكمها من هو على ملة أخرى؟!... وأما اليوم، فالأمة في أضعف حالاتها، بسبب التشوهات المتراكمة؛ وبسبب النفوذ الدجالي، الذي صار أهله يسيطرون على العالم اقتصاديا وعسكريا.

إن العقل العربي اليوم، قد عاد من أضعف العقول في العالم؛ لا لأنه ضعيف من جهة الاستعداد الأولي، ولكن لأن التربية التي تشكل معالمه سقيمة، تعمل بعكس الفطرة، وبعكس المنطق العقلي. وهذا الصنف من التربية، الذي تأباه العقول السليمة حيث كانت، لم يكن ليستمر فينا القرون بعد القرون، إلا بالقهر. وهذا هو ما دأب عليه جل حكامنا، منذ معاوية وإلى المماليك الجدد اليوم.

إن أمة كان يُلعن فيها علي عليه السلام على المنابر منذ القرن الأول، وهو عقل رباني كامل مبرّز، لا بد أن أمرها سينتهي إلى الحضيض (من جهة الظاهر). إن كان حب علي علامة على إيمان صاحبه، وبغضه علامة على نفاقه كما أخبر هو نفسه عليه السلام بقوله: "وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ: أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِق!"[2] ؛ فما القول فيمن يلعنه؟ وفيمن يسمع لعنه ولا يتمعر وجهه لذلك؟ وما حكم مسجد يُلعن فيه؟ وما حكم صلاة تنتهي بلعنه عليه السلام؟...

إن الفقهاء الأولين قد قصّروا من غير شك، في إعلان الحق وقتها؛ وإن كنا نعلم الشدة التي كانوا فيها. لكنّ السكوت على شناعات كهذه، لن تقتصر آثاره على زمانها. ومن ينظر إلى حال الأمة اليوم، سيجد تلك الآثار حية جديدة متزايدة مع الزمان. إن هذا التصرف العنيف من قِبل بعض حكام الأمويين مع إمام كعلي عليه السلام، قد ولّد تيارا مضادا، قابل اللعن باللعن، والبغض بالبغض. فصارت الأمة في شطر منها، متوزعة بين نواصب وروافض، ينبغي العمل على الحد من شرورهم أجمعين.

إن الفقه اليوم، لا بد أن يخرج عن هيمنة العقيدة، التي تجعله شيعيا أو سنيا؛ لأنه في أصله يُعنى بالأحكام العملية. ولو استطاع الفقهاء من الجانبين، العودة بالفقه إلى حياده الأول، لتحققت للأمة أولى الخطوات المفضية إلى وحدتها الواجبة. وإن المرء ليعجب كثيرا، من علماء زماننا من الجانبين، كيف يعجزون عن التزام المنهجية العلمية وحدها، في أقوالهم وأفعالهم. لا شك أن السلطة السياسية، ما زالت صاحبة الكلمة في هذا الأمر؛ لكن مع ذلك، لو كان العلماء علماء حقا، لكانت لهم بعض سلطة علمية، تعيد لهم شيئا من مكانة، فقدوها بسوء صنيعهم...


[1] . متفق عليه، عن معاوية رضي الله عنه.
[2] . أخرجه مسلم في صحيحه.










..................






رد مع اقتباس
  #17  
قديم 05-05-2018, 10:16 AM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -17-


العقلانية والإيمان

إن من أسوأ السوء الذي دخل على العقول، الفصل بين طريقي الإيمان والعقل؛ وكأن الإيمان مرادف دائما للخرافة. والحقيقة هي أن الإيمان بالحق، دليل على كمال العقل؛ لأن الإيمان في نفسه علم مجمل. وهو من هذا الوجه، يشبه الحدس الذي يقول به العقلاء؛ وإن كان الإيمان أقوى في المرتبة لربانيته. والفرق بين الإيمان والعلم بحسب العرف، هو أن المؤمن يجد الشيء في قلبه (عقله)، ولا يتمكن من البرهنة عليه برهنة تلزم العقول المجردة. وعلى هذا، فإن العقل المعادي للإيمان، والذي يراه مخالفا للأصول العقلية، إنما يدل على قصوره، وعلى عدم ضبطه للمعاني التي يخوض فيها فحسب.

وأما إن كان القائل ماديا، لا يقبل إلا ما تشهد له التجربة ويضبطه الحس؛ فإنا نقول له: ليس كل العالم مادة، ولا كله خاضعا للحس. وإن لم تكن تدرك هذا، فاعلم أنك تعيش في عالم وهمي، تظنه العالم الأصلي. وهذا يشبه ما يحدث لبعض المرضى العقليين، الذين يُمضون عمرهم كله داخل عالمهم الخاص الوهمي، والناس ينظرون إليهم من الخارج على أنهم أسوياء. ولن ندلل على ما نقول هنا بالأمثلة، لأن المقال لا يتسع لذلك.

إن الإيمان، يفتح الباب للعقل، من أجل تحصيل العلم الذي يخرج عن الماديات (ظاهرها)، بما هي مشتركة بين المؤمنين والكافرين؛ وعن التفكير، بما هو عمل بشري قاصر. إن العلم الناتج عن الإيمان، يتدرج بصاحبه في مراتب التطهير، لتنتفي عنه الشوائب المانعة من تلقي العلم، عن العليم الخبير سبحانه. ثم بعد ذلك، يهجم عليه العلم من كل جهة، ليعلم به حقيقة كل معلوم، ويعلم مرتبة هذا المعلوم، والحكمة من ظهوره في عالمه، سواء أكان العالم ماديا، أم معنويا روحيا، أم برزخيا. ولكل صنف من هذه الأصناف فروع، منها ما يدخل في عالم الشهادة، ومنها ما هو غيبي، ومنها ما هو بين ذلك.

وأما الذي حدث خصوصا بعد مرحلة الاستعمار، فهو نكوص العقل العربي عند المقلدين للمستعمر، من مستوى العقل المسلم (المؤمن في أولى المراتب)، إلى العقل المجرد؛ مع الزعم بالترقي عن العقل الخرافي (الديني)، إلى مرتبة العقل الحر. وقد أثر هذا التصور على كثير من أصحاب العقل المعاشي، عندما ظنوا أنهم بفعل التعليم العمومي، قد أصبحوا من جملة المفكرين. وقد أدى هذا الخلط، إلى ما يشبه ما أدى إليه دخول العقل المعاشي مجال الفقه؛ ولسنا نعني إلا النزول عن المرتبة إلى ما دونها.

وإن العقل المعاشي المؤمن، رغم كل المحاولات، لم تستطع موجة التغريب صرفه عن الدين، وإن كانت قد أثرت فيه بنوعين من التأثير: أحدهما الإضعاف الناتج عن التشكيك في كثير من المسائل؛ والثاني التسبب في ظهور تيار مواجه، يعتمد العنف المادي، حيث أعوزه الحجاج العقلي. وهذا الوضع هو الماثل اليوم للأنظار، وإن كان الأفرقاء الوطنيون في الدول العربية يريدون إخفاءه، ليتسنى لكلّ منهم زعم الريادة والقيادة معه، عن طريق المغالطة السياسية، التي يراها المتخلفون وسيلة لغلبة الخصوم.

لا بد لنا أن نعترف أن الدين لدى غالبية العرب، لا يعدو أن يكون ثقافة، تجتر معها المجتمعات بعض مظاهر التدين، من دون أن تحاسب أنفسها على النتائج التي ثبت تحققها للمؤمنين الأولين. ولا يخفى تلفيق علماء الدين للأجوبة عند الأزمات والإخفاقات والهزائم والتناقضات. فهم -بعكس المطلوب- يعتمدون أسلوب التسويغ، بدل النقد المنهجي الذي لا يقبل العلم سبيلا سواه.

ومما أعمى أعين النخبة المثقفة العربية عن حقيقة الوضع، صدورهم عن النموذج الغربي فكرا وتاريخا. وهذا جلي، بما أن الفكر الغربي، لا يمكن أن ينفصل عن تاريخه. ولكن أصحابنا، لم يعلموا أنهم بانسياقهم خلف الفكر الغربي بإخلاص، قد انسلخوا من سياقهم التاريخي الخاص، وعادوا لاجئين بالمعنى العقلي، قبل أن يكون شطر منهم لاجئين سياسيين في البلدان الغربية، بعد أن فقدوا الرابط ببلدانهم الأصلية، بسبب الاستبداد السياسي الأعمى.

إن طبقة العلمانيين من مجتمعاتنا، هي جزء لا يتجزأ من هويتنا حاضرا ومستقبلا. وإذا كانت مجتمعاتنا قد أصيبت بالفصام الثقافي، الناتج عن الاختلاف على الدين، فإن المثقفين المستغربين وجه من هذه الشخصية المرضية، التي لا بد لها من تصالح مع نفسها، إن كانت تبغي بلوغ العافية. وهذا يعني أن اتخاذ الإسلاميين (من التياريْن السلفي والإخواني) العلمانيين هدفا لسهامهم -بغية نفيهم من بلدانهم معنويا على الأقل- ليس أمرا مفيدا للمجتمعات العربية، ولا خادما لها محليا وعالميا. ذلك لأن الأعداء الخارجيين، يراهنون دائما على الانقسامات الداخلية التي يغذونها لوجستيا على الدوام. لكن هذا من جهة أخرى، لا يعني أن نختلق وحدة زائفة بين الأفرقاء والمختلفين داخليا، كما هي عادتنا عند إرادة تجاوز الأزمات، التي ما تلبث أن تتعاظم وتتراكم.

إن المطلوب من الطبقة التي تزعم العقلانية عندنا، أن توطن نفسها على منازلة علمية بينها وبين الخصوم؛ لأن هذا هو الحل الوحيد لما نحن فيه. وأما التمادي في تبني خطاب ما يسمى عصر النهضة عند الأوروبيين، في مجتمعات عربية مسلمة، تنطلق في تصوراتها من حضارة مختلفة، وتنفرد بسياق تاريخي مستقل، فإنه لن يكشف إلا عن ضعف مدعي العقلانية، إن لم يكن دالا على انخراط محتمل، في تنفيذ مخططات أجنبية. هذا بالإضافة إلى أن عدم قبول المنازلة الفكرية، سيعطي صدقية للخصوم المتحاملين، الذين لا يريدون خوض غمار النزال، بسبب ضعفهم في أنفسهم هم أيضا، لما هم عليه من جهل جزئي بالدين، ومن مخالفة لبعض أحكامه.

إن الاستمرار على ما نحن عليه، لا يخدم مصلحة شعوبنا من أي وجه من الوجوه؛ بل يخدم المتطرفين من العلمانيين ومن الإسلاميين على السواء، الذين يخدمون بدورهم -بتجافي بعضهم عن بعض- المشروع الدجالي العالمي دون خفاء. وعلى هذا، فإن على العقلاء من أبناء الأمة، المسارعة إلى الخروج من هذا الوضع بأسرع ما يمكن؛ من أجل اختصار الوقت والإعداد لما هو قادم من مواجهات على الصعيد العالمي؛ وإلا خسرنا خسرانا عظيما، تحاسبنا عليه الأجيال السابقة واللاحقة عند ربنا.







...............






رد مع اقتباس
  #18  
قديم 12-05-2018, 11:31 AM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -18-


الفكر والكفر



إن الأمة العربية لما داخلتها الثقافة الكفرية من المستعمر، لم تنصع لكل ما أُريد منها، حتى قُدّم لها في قالب فكري تتوهم معه أنها مختارة في أمرها. ولقد كان الفكر الفلسفي أول ما تقبلته في شطر منها، على أنه إنتاج إنساني، لا تحده الحدود المادية ولا المعنوية. والحقيقة هي أن الفكر الفلسفي سيعود بها من جهة المرتبة المعرفية إلى ما قبل الإسلام. وهذه من غير شك ردة منهجية، قد أفضت فيما بعد إلى ردة حقيقية لدى بعض من عمل فيهم الفكر عمله، من غير أن يتنبهوا.

والفكر ضمن البراديغم الإسلامي، ليس اعتباطيا كما هو عند العقل الكافر؛ لأن المؤمن على هدي في معظم أمره، يُغنيه عن التعمل. وهذا الهدي، هو النور الذي ورد ذكره كثيرا في القرآن، كما في قول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40]. والفكر بالمقارنة إلى هذا النور الإلهي، هو كالعصا التي لا يستغني عنها الأعمى، أو من يسير في الظلام. وإن الأمة لما عادت إلى الفكر العام، قد ألزمت نفسها بالنزول من السير على نور، إلى السير على ظلمة. وإن ما يجده بعض المفكرين من تشابه بينهم وبين المفكرين العالميين، يجعلهم يأنسون لما هم عليه، إنما هو دليل نكوص لا دليل تقدم. فإن قيل إن الله قد أمر عباده بالتفكر في آيات كثيرة من القرآن، كما في قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13]؛ فإننا نجيب بأن التفكر لا يستغني عنه العقل المؤمن في المرتبة الدنيا من الدين (مرتبة الإسلام)، لعدم الأهلية للتلقي عن الله. والتفكر وسيلة للاعتبار، الذي يهتدي به العوام إلى الآخرة، وما يقرب إليها من عمل؛ كما أن التفكر وسيلة الفقهاء في تبيّن الأحكام -أئمة ومقلدين- لبعدهم عن الكشف ولقصورهم عن طريق النبيين والوارثين. والله إنما شرع لعباده، ما يتمكن العامة من المؤمنين معه بحسب استعدادهم، من إصابة سبيل السعادة. وأما أن يُجعل الفكر شرطا في تحصيل المعرفة، فهو من الخلط الذي دخل على الأمة، من قِبل المضلين والجاهلين.

إن الله قد دل على ملازمة الفكر للكفر، عندما ذكر حال الوليد بن المغيرة، في التفكر فيما يصرف به الناس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا يشبه ما يعرفه عصرنا من صنوف الحرب الإعلامية، التي يعتمدها الأعداء. فقال الله تعالى: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} [المدثر: 18]. ولو كان الفكر منزها عن الضلال والغلط، لما كان وسيلة إلى معاداة الحق قط. ولو تأمل الناس اشتراك الكفر والفكر في مادتيهما، لعلموا أن أكثر الفكر هو من الكفر، وأن أكثر الكفر هو من الفكر. ولو عدنا إلى جل المفكرين في العالم (وعلى رأسهم الفلاسفة)، لوجدناهم كافرين. ولقد أعجبني مؤخرا، ما سمعته من "لوك فيري" (أحد متفلسفي فرنسا وملحديها)، عندما رفض المزاوجة بين الفلسفة والدين، لاختلاف طريقيهما؛ وهذا حق غاب عن كثيرين. فأي منقبة للفكر بعد، وهو لا ينفع أصحابه، بأن يوصلهم إلى طريق السعادة!... وفي المقابل، كم من سعيد من المؤمنين، لا يبلغ مرتبة المفكرين، ولا يجاوز مرتبة العقل المعاشي!... نعني أنه كم من أبله سيدخل الجنة، وكم من مفكر مرموق سيدخل النار!... فالعبرة ليست بمقدار مرتبة الفكر، وإنما بإصابة الحق، ولو من طريقٍ غيره...

لقد خرج في أمتنا مفكرون، راموا نقد العقل العربي والمسلم، كعابد الجابري وأركون؛ ولكن نقدهم لم يكن عربيا ولا إسلاميا؛ بل كان نقدا غربيا من الجهة المنهجية ومن الجهة الفكرية، وإن كانت اللغة عربية لدى البعض. أما النقد العربي أو الإسلامي الداخلي، فنادر؛ لأن المناهج البحثية المعتمدة غربية في الغالب (الفيلولوجيا والهرمنوطيقا...)، وهي تكاد تطبع كل البحوث الجامعية، في قطيعة شبه تامة عن الهدي الإلهي بالمعنى الحقيق، لا بالمعنى النصي (الذي يكون الانطلاق فيه من النص). بل إن مناهج البحث الغربية، قد بدأت تتسرب إلى العلوم الشرعية ذاتها (بحسب الزعم)، حتى صار بعض الدارسين يرومون إعادة تناول تفسير القرآن على ضوئها، إن كان لها من ضوء. وصار يُنظر في إثبات صحة الحديث، إلى موافقته الأصول العقلية؛ إلى غير ذلك مما هو من المستحدثات التي لا شبهة في مخالفتها للأصول الأولى التي كان عليها المؤمنون الأولون.

إن جل الإنتاج الفكري الديني، لا يمكن أن يُعد دينا، وإن رام أصحابه تمييزه عن الفكر العام المجرد، ليستميلوا من لا علم لهم إلى ما يرون أنه يخدم أغراضهم. ومع كثرة الإنتاج الفكري في المرحلة الأخيرة بالمقارنة إلى الأزمنة السابقة، فإن الأمة قد دخلت فيما زاد من جهلها بحقيقة الدين، وباعد بينها وبين تحصيل الترقي، بحسب المنطق الديني عينه. كل هذا، وهي لا تميّز حالها، ولا تتبيّن مدى مخالفتها للأصل؛ إلى الحد الذي ما عاد المرء من المتدينين، يتجاوز فيه المرتبة الأولى من الدين، إن سلمت له من التشكيك والتلبيس. وهذا في المجمل، هو سبب الضعف الذي يوجد فيه العرب اليوم، وإن كانت لهم من المؤهلات المادية، ما يجعل كبرى القوى العالمية تحسدهم عليه.

إن إشاعة ربط التقدم بالفكر مطلقا وعلى التعميم، بين الناس، هو من التدليس الذي يُراد منه في النهاية التسوية بين الحق والباطل. وأما الفكر المتعلق بالعلوم الكونية المضبوطة، فيعدّ من المشتركات الإنسانية التي لا خلاف عليها. ولكن هذا الصنف الأخير من الفكر، الذي لا يلبث أن يتبلور تطورا صناعيا أو تقانيا، لا يقوى في النهاية على أن يتجاوز مرتبة الخدمة للفكر الفلسفي السياسي بمختلف مشاربه. وهذا هو ما يجعلنا نصرّ على تنقية العقل لدينا، من الشوائب المانعة عن عيش الأمة وفق شريعتها.

إن الفكر من كونه سيرا عقليا في الظلام، هو أكثر عرضة للتلبيس الإبليسي، الذي يختلط فيه الحق بالباطل على من لا نور له. وهذا يعني أن الرعاية الفكرية التي نشهدها في زماننا، من قِبل جهات عالمية تزعم أنها عاملة من أجل مصالح شعوبنا، ليست بريئة، ولا هي بعيدة عن التوجيه الدجالي العالمي. ولو أن الناظر تمعن فيما يُمرر إلينا من آراء ومن مقولات، لسهل عليه تبين ما نشير إليه...

إن إعادة الفكر منا إلى نصابه، ليست سيرا في اتجاه عكسي لما هو المطلوب، ولكنها حد من الأضرار الناجمة عن الإضلال المحلي والعالمي؛ خصوصا وأن أغلب المفكرين لدينا، لا يرقون أن يُعدّوا من هذه الطبقة حقيقة؛ وإنما هم من المعاشيين، الذين يشتغلون بما ظاهره فكر، لسبب من الأسباب. وإن المجتمع المسلم في خصوصيته، في غنى عن كثير من الفكر بالمعنى المعروف اليوم. ولو أن مجتمعاتنا حافظت على البنية الأصلية التي تمنع اشتغال العوام بما ليس من طورهم، لكفيت هذه الشرور التي صارت تتوالد يوما عن يوم، على أيدي سفهائها.

إن المساواة بين الناس في المرتبة العقلية، بالنظر إلى الفكر وحده، كما يُراد للأمر أن يكون اليوم، هي مغالطة للعقول الضعيفة، من أجل إدخالها في فوضى معرفية، ترفض معها الهدي الذي يأتيها على أيدي من هم من أئمة الدين حقيقة. ولسنا نعني بالأئمة هنا العلماء التقليديين، لأنهم -من غير شك- سبب من أسباب هذا الخلط الذي استفحل حتى كاد أن يقضي على العقل نفسه...








...........................






رد مع اقتباس
  #19  
قديم 19-05-2018, 12:47 PM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -19-


الفكر السياسي



إن الانحراف السياسي الذي وقع في شؤون الحكم ما بعد النبوة والخلافة، ومنذ العصر الأموي، قد جعل الفكر السياسي العربي الإسلامي، يلقي بظلاله على التدين من الجهة العقدية على الخصوص. وهذا الخلط الذي وقع بين السياسة (بما هي ميل وترجيح لا بما هي أحكام) والعقائد، لم يكن ليساعد على الإبقاء على أصل الدين، ولا على وحدة الأمة.

ولقد زاد من حدة الأمر جهل جل الفقهاء بأحكام الحكم، التي تختلف بين الخلافة والملك، قبل أن يدخل عليها الفكر الاشتراكي أو الديمقراطي بعد ذلك، ليزيدها انبهاما. ومن أول ما كان ينبغي التنبيه إليه في هذه المسألة، هو أن الخروج من النبوة إلى الخلافة ثم إلى الملك، هو حتمية قدرية، لم تكن الأمة لتتمكن من فعل عكسه، وإن توهم المتوهمون ذلك. ثم إن أحكام الحكم الظاهرة، والتي هي مما يعتني به الفقه من جانب التحليل والتحريم، ليست قدَرا كما يتوهم العامة؛ وإنما هي معيار لما يكون من شأن الحكام؛ على الصورة عينها التي تُقيَّم الأفعال الفردية فيها بالرجوع إلى أحكام الشريعة العامة. ثم إن الحكم في نفسه ليس غاية، بحسب ما يفهم منه الفاهمون؛ وإنما الغاية الله والآخرة. نقول هذا، لأن كثيرا من الجاهلين، يرومون الكمال في الدنيا، إلى الدرجة التي لن ينقصها عندئذ، إلا الخلود لتعود آخرة. وهذا مجانب للصواب من جهة العلم، الذي ينبغي أن يعتبر المتغيرات، والتي من بينها المخالفات الشرعية المتعلقة بالحكم خصوصا.

ولما اشتغلت العقول الضعيفة بالأمور السياسية، فإنها سريعا ما دخلت في أيديولوجيا يُعمل لها من قبل بعض الجماعات والأفراد. وبما أن هؤلاء لا علم لهم بما يتعلق بالقدر من علوم وآداب، فإنهم سيدخلون في مخالفات شرعية جماعية وفردية، تفوق تلك التي أرادوا الفرار منها أول الأمر. وهذا هو عينه الذي نراه في زماننا، بعد المصائب التي حلت بالشعوب العربية، من وراء عمل الجماعات الحركية الإسلامية.

نحن هنا لا نريد إقرار الحكم الملكي (يدخل في معناه الحكم الجمهوري أيضا) في البلدان العربية، على ما هو عليه من مخالفة لأصول الحكم الشرعية؛ وإنما نبغي التوفيق بين الأمر الشرعي والقدر المحتوم. فإن امتنعت إقامة الحكم الشرعي في زمن ما، فإن الشريعة تقتضي طلب موافقتها في التفاصيل المتاحة دائما. وهذا يخالف ما تدعو إليه الجماعات الحركية من منابذة الحكم القائم، والعمل خارج السياق العام، إلى حين إقامة حكم شرعي بحسب الزعم؛ لأن في هذا الفعل تعطيلا لأحكام الوقت، التي يمكن أن يكون من بينها التعاون على البر والتقوى، والنصيحة وتغيير المنكر. وهذا مجال واسع من فقه العمل السياسي، لن نخوض في تفاصيله لاتساعها.

إن المسلمين اليوم، يكادون يُجمعون على الكفر بصلاحية نظام الحكم الشرعي، كما هو في أصله. أولا، لجهلهم بأصول هذا الحكم العلمية؛ فهم لا يكادون يميزون، إلا بعض ما يتعلق بالعدل والأمانة فيها؛ وثانيا، لأن تصورهم للحكم لا يخلو من أمور دخيلة، وردت عليهم من الفكر السياسي العالمي. وإن التوفيق بين الشريعة والفكر العالمي (الديمقراطي على الخصوص)، لا يكاد يخلو منه علم علماء الدين اليوم، فضلا عن العوام الذين تربوا تربية هجينة منذ صباهم. بل إن شطرا كبيرا من المسلمين، ما عاد يطلب إلا الديمقراطية، من دون أن يعلم أصلها، ولا مدى موافقتها أو مخالفتها للشريعة؛ وكأن أمر الحكم صار اجتهاديا، لا أصل له في الوحي (النصوص). بل إن كثيرا من المفكرين الإسلاميين، صاروا يقولون صراحة، بعدم وجود نموذج إسلامي يُعد التزامه عبادة من جملة العبادات؛ وإنما يرون أن الدين قد ترك أمر الحكم لينظر فيه الناس في كل زمن بحسب ما يعنّ لهم. وهذا أمر خطير، له تبعات على عقيدة العبد وعلى عبادته. إذ كيف يعتني الإسلام بتفاصيل الوضوء، لنجدها منصوصا عليها في القرآن، ولا يعتني بأمور الحكم التي هي أعم أثرا بما لا يقارن. إن قولا كهذا، لا يعني إلا أن إدراك الدين قد أصابه خلل كبير، انطمست معه المعالم، وانقلبت الأمور.

وإن حققنا النظر، فإننا سنجد مسألة الحكم لا يحيط بعلمها الفقهاء ولا العامة؛ وإنما هي من اختصاص الربانيين، الذين انقطعت الأمة عنهم بفعل التوجيه الفقهي القاصر، منذ القرون الأولى؛ بل منذ القرن الأول. ولولا هذا الانقطاع المفضي إلى الفتنة، لما قتل المسلمون عليا عليه السلام وهو الخليفة الرباني الذي لا يشك في خلافته اثنان؛ ولا استقام الحكم ليزيد والحسين عليه السلام يُخالفه. إن الجهل المؤدي إلى انعكاس الأحكام، هو الذي أدى إلى وقوع ما لم يكن ينبغي أن يقع من جهة الشريعة. وأما من جهة القدر، فما وقع، هو ما كان ينبغي أن يكون؛ ولا يكون إلا ما أراد الله، بغض النظر عن موافقة الشرع أو عن مخالفته.

إن الإيغال في التنظير، والسماح للفكر المنفصل عن العلم وعن الواقع، بتصور ما لا يكون إلا في عالم التجريد، قد أدى اليوم إلى اعتماد فكر ديمقراطي، لا سند له إلا في الخطابات الدجالية التي تريد أول ما تريد، أن تقطع الأمة عن أصولها الدينية الربانية؛ لا لتخرج إلى نظام مخصوص في البداية، ولكن لتنخلع عما كانت عليه (من جهة العلم). وبعد ذلك يسهل إقناعها بجدوى النظام الدجالي الذي تريد القوى العالمية المهيمنة أن تعلن عنه في العقود القليلة المقبلة.

إن كلام كبار السياسيين في العالم من مدة، عن النظام العالمي الجديد، ليس إلا مقدمة شبه نظرية، يقصد من ورائها تهييء سكان العالم، لقبول الحكم الدجالي الذي سيُفرض بالقوة. وإن ابتعاد المسلمين عن أصول دينهم، وانفعالهم للإيحاءات الديمقراطية الجوفاء، لن يزيد العقل العربي إلا بعدا عما فيه خلاص الشعوب، بأشد مما هو الأمر عليه الآن من فوضى في مجال الحكم والسياسة؛ قد صارت مهزلة، لا يقبل بها إلا من لا عقل له!...






.......................






رد مع اقتباس
  #20  
قديم 29-05-2018, 03:35 PM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -20-

العقل والنص


إن المناهج الغربية التي يعتمدها المفكرون العرب في فهم النص القرآني والحديثي، اللذين تدور حولهما الحضارة الإسلامية، لا يمكن أن تجدي. والسبب هو أن العقل الغربي الكافر المقلَّد، وإن كانت به بقية تنصّر، لا يميّز بين الكلام الإلهي والكلام البشري من الأصل. والعلة في هذا عنده، هي كون النصوص الدينية لم تبلغه إلا مترجمة. والترجمة لا تخلو من دخول التفسير الشخصي للمترجِم، الذي قد يُحرف المعنى المراد، إما عن قصد، وإما عن غير قصد.

والهرمنوطيقا التي يُراد من ورائها استنطاق النص (أي نص)، معزولا عن قائله، وكأنه كائن مستقل في حقيقته؛ لا يمكن أن تنتج معرفة معتبرة، وإن كان ظاهر الأمر يوحي بتوخي التجرد والحياد. وإن كان لا بد من إقرار بالتجرد والحياد، فإنه سيكون تجرد موت وحياد جمود.

عندما أراد المفكرون العرب -نعني المستغربين- أن يتناولوا النص القرآني بالدراسة، نسوا (أو أهملوا لضعف إيمانهم أو لانعدامه) أنه كلام الله. وكلام الله لا بد أن يكون مخالفا لكلام الناس؛ وإلا كان الأمر من بدايته اختلاقا وتزويرا للحقائق. نحن لا نشك أن بعض المفكرين، يعتقدون أن القرآن كلام بشري، أنتجته ظروف تاريخية واجتماعية مخصوصة؛ لكنهم لا يجرؤون على التصريح بما يعتقدون، نظرا لإيمان مجتمعاتهم بعكس ما هم عليه. والمجتمع إذا خولف، فإنه يكون ماحقا لمخالفه؛ والمصلحة تقتضي إتيان الموضوع بحذر كبير من قِبلهم، مع إصرار على الاستمرار على التوجه ذاته. ولكن الأمر لا يخضع للأمزجة أو الظنون، من الطرفين؛ وإنما ينبغي أن يُرد إلى الأصل المطابق للحقيقة كما هي في نفسها.

والكلام الإلهي (القرآن)، يفارق الكلام البشري في كون معانيه ليست منوطة بالألفاظ وحدها، كما هو الشائع في اللغة؛ وإنما هي عائدة إلى الحروف بالدرجة الأولى. وهذه الحقيقة ستجعل القرآن من جهة الظاهر وحده، ذا سياقين متباينين. والسبب في هذا الأمر، هو أن اللغة في أصلها، والتي كانت وحيا من الله لآدم، هي لغة حروف. والتركيب الذي أعطى الكلمات فيما بعد، إنما جاء بعد مرحلة البساطة تلك بمدة؛ عندما بعُد الناس عن الأصل الرباني للغة، وعندما اختصت الأقاليم في الأرض بلغات يمتاز بعضها عن بعض، لأسباب عديدة. وإن ما يدل على هذا الأمر من السنّة، والناس لا يشعرون، قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ؛ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ؛ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ.»[1] . وإدراك معاني القرآن من هذا الوجه، لا يعلمه إلا آحاد الأولياء على مدى الزمان كله. ولقد نبه إلى هذا الوجه القطب المغربي الكبير، سيدي عبد العزيز الدباغ رضي الله عنه، في الكلام المنقول عنه في الإبريز. ولكن ما ذكرناه، يدل على أن معاني الألفاظ في القرآن، ليست كما هي في الكلام البشري، وإن كان لعوام المؤمنين مأخذ من ظاهره لا يُنكر. ولو تنبه الناس إلى عدم بلوغ النهاية في معاني التركيب اللفظي القرآني، لعلموا إعجاز القرآن الأول، والذي سيفتح بابا مجهولا من العلم، لا يعلمه إلا الخواص. وهذا الإطلاق المعنوي، المصاحب للتقييد اللفظي، هو ما أشار إليه الله في قوله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27]. إن كتابا لا تنفد معانيه، لا يمكن أن يزعم قوم من قاصري العقول، أنهم سيتمكنون من دراسته، مهما بالغ النظام الدجالي العالمي في دعم هذا التيار، بقصد التغطية على الخصوصية الإلهية الثابتة.

وإذا أقررنا بإلهية القرآن، فإن فهم معانيه كما هي في نفسها، لا يكون إلا بإعلام إلهي. وعلى هذا ينبغي أن يُحمل قول الله تعالى: {الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ} [الرحمن: 1، 2]. والمقصود تعليم اللفظ والمعنى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتعليم المعنى لسواه من المؤمنين؛ كلٌّ على قدر مكانته عند الله. وإن كانت معاني القرآن تُطلب من الله، فإننا سنجد المفكرين الذين لا يجاوزون ما تعطي عقولهم، منقطعين عنها، ممنوعين من الحوْم حول حماها. فكيف إذاً يمكن اعتبار مقالاتهم في القرآن، وهم على هذه الحال!... بل إن الفقهاء (علماء التفسير) أنفسهم، قد تقيدوا في أغلب ما فهموه بعقولهم (وإن كانت مؤمنة). وبقي القرآن من وراء عقولهم غير ممسوس؛ {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ . لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 77 - 79]. ولو أن الناس كانوا يأخذون فهم القرآن عن الله، ما كان الاختلاف يظهر منهم حول الآية الواحدة، إلا من جهة المكانة!... وهذا في الحقيقة تراتب، لا اختلاف بالمعنى المعروف. يقول الله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]. فالاختلاف في الفهم، يعود إلى اختلاف العقول، لا إلى المعنى.

وما ينبغي أن يعيه الناظرون في كلام الله، هو أن الكلام الإلهي حي، يتموج بالمعاني في كل وقت وحين؛ وليس ككلام الناس الذي يولد ميتا، ويبقى على حال واحدة طول الأبد. وقد أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى صفة القرآن بقوله: «هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ.»[2] . ثم إن فهم القرآن يكون على طبقات، بحسب مكانة العقول. وقد أشار إلى هذا التعدد الطبقي، قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، لِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ»[3] . والأحرف هي الأوجه؛ والظهر والبطن هما الوجهان اللذان الواحد منهما لأهل الظاهر، والآخر لأهل الباطن. والعقل إن لم يعتبر خصائص القرآن عند النظر فيه، فإنه يكون مخلا بمقتضيات العلم، غير مأمون على ما يخرج به من فهم. ولقد رأينا في زماننا، من يتجرأ على القول في القرآن، وهو غير مؤهل لفهم كلام أمثاله من الناس. فما أعجب هذا!...


[1] . أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
[2] . أخرجه الترمذي عن علي بن أبي طالب عليه السلام.
[3] . أخرجه ابن حبان عن ابن مسعود رضي الله عنه
.





.....................






رد مع اقتباس
الأعضاء الذين أرسلوا إعجاب لـ البينة على المشاركة المفيدة:
  #21  
قديم 02-06-2018, 02:43 PM
ȶʀǟռֆɨɛռȶ ֆքɛƈȶʀ ȶʀǟռֆɨɛռȶ ֆքɛƈȶʀ غير متواجد حالياً
موقوف مؤقتا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43992
الدولة: --
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 2,395
أعجبني: 40
تلقى إعجاب 42 مرة في 36 مشاركة
افتراضي يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَة قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ الله

يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63 )

يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا

يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا لِرَسُولِهِ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا عِلْم لَهُ بِالسَّاعَةِ وَإِنْ سَأَلَهُ النَّاس عَنْ ذَلِكَ وَأَرْشَدَهُ أَنْ يَرُدّ عِلْمهَا إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي سُورَة الْأَعْرَاف وَهِيَ مَكِّيَّة وَهَذِهِ مَدَنِيَّة فَاسْتَمَرَّ الْحَال فِي رَدّ عِلْمهَا إِلَى الَّذِي يُقِيمهَا لَكِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهَا قَرِيبَة بِقَوْلِهِ " وَمَا يَدْرِيك لَعَلَّ السَّاعَة تَكُون قَرِيبًا " كَمَا قَالَ تَعَالَى : " اِقْتَرَبَتْ السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر " وَقَالَ " اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابهمْ وَهُمْ فِي غَفْلَة مُعْرِضُونَ " وَقَالَ " أَتَى أَمْر اللَّه فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ" .

إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64 )

إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : " إِنَّ اللَّه لَعَنَ الْكَافِرِينَ " أَيْ أَبْعَدهمْ عَنْ رَحْمَته " وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا " أَيْ فِي الدَّار الْآخِرَة.

خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (65 )

خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا

" خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا " أَيْ مَاكِثِينَ مُسْتَمِرِّينَ فَلَا خُرُوج لَهُمْ مِنْهَا وَلَا زَوَال لَهُمْ عَنْهَا " لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا " أَيْ وَلَيْسَ لَهُمْ مُغِيث وَلَا مُعِين يُنْقِذهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ .

يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66 )

يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا

ثُمَّ قَالَ " يَوْم تُقَلَّب وُجُوههمْ فِي النَّار يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّه وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا " أَيْ يُسْحَبُونَ فِي النَّار عَلَى وُجُوههمْ وَتُلْوَى وُجُوههمْ عَلَى جَهَنَّم يَقُولُونَ وَهُمْ كَذَلِكَ يَتَمَنَّوْنَ أَنْ لَوْ كَانُوا فِي الدَّار الدُّنْيَا مِمَّنْ أَطَاعَ اللَّه وَأَطَاعَ الرَّسُول كَمَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ فِي حَال الْعَرَصَات بِقَوْلِهِ" وَيَوْم يَعَضّ الظَّالِم عَلَى يَدَيْهِ يَقُول يَا لَيْتَنِي اِتَّخَذْت مَعَ الرَّسُول سَبِيلًا يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْر بَعْد إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَان لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا " .

وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67 )

وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ

وَقَالَ تَعَالَى : " رُبَمَا يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ " وَهَكَذَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي حَالَتهمْ هَذِهِ أَنَّهُمْ يَوَدُّونَ أَنْ لَوْ كَانُوا أَطَاعُوا اللَّه وَأَطَاعُوا الرَّسُول فِي الدُّنْيَا " وَقَالُوا رَبّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا " وَقَالَ طَاوُس : سَادَتنَا يَعْنِي الْأَشْرَاف وَكُبَرَاءَنَا يَعْنِي الْعُلَمَاء رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم أَيْ اِتَّبَعْنَا السَّادَة وَهُمْ الْأُمَرَاء وَالْكُبَرَاء مِنْ الْمَشْيَخَة وَخَالَفْنَا الرُّسُل وَاعْتَقَدْنَا أَنَّ عِنْدهمْ شَيْئًا وَأَنَّهُمْ عَلَى شَيْء فَإِذَا هُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْء.

رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) عدل

رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا

" رَبّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَاب " أَيْ بِكُفْرِهِمْ وَإِغْوَائِهِمْ إِيَّانَا " وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا " قَرَأَ بَعْض الْقُرَّاء بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة وَقَرَأَ آخَرُونَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة وَهُمَا قَرِيبَا الْمَعْنَى كَمَا فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّ أَبَا بَكْر قَالَ يَا رَسُول اللَّه عَلِّمْنِي دُعَاء أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي قَالَ : " قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَة مِنْ عِنْدك وَارْحَمْنِي إِنَّك أَنْتَ الْغَفُور الرَّحِيم أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ يُرْوَى كَثِيرًا وَكَبِيرًا وَكِلَاهُمَا بِمَعْنًى صَحِيح وَاسْتَحَبَّ بَعْضهمْ أَنْ يَجْمَع الدَّاعِي بَيْن اللَّفْظَيْنِ فِي دُعَائِهِ وَفِي ذَلِكَ نَظَر بَلْ الْأَوْلَى أَنْ يَقُول هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة كَمَا أَنَّ الْقَارِئ مُخَيَّر بَيْن الْقِرَاءَتَيْنِ أَيَّتهمَا قَرَأَ أَحْسَن وَلَيْسَ لَهُ الْجَمْع بَيْنهمَا وَاَللَّه أَعْلَم وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا ضِرَار بْن صُرَد حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن هِشَام عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي رَافِع عَنْ أَبِيهِ فِي تَسْمِيَة مَنْ شَهِدَ مَعَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الْحَجَّاج بْن عَمْرو بْن غَزِيَّة وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَقُول عِنْد اللِّقَاء يَا مَعْشَر الْأَنْصَار أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا لِرَبِّنَا إِذَا لَقِينَاهُ " رَبّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَاب وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا " ؟ .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69 )

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وجيها

قَالَ الْبُخَارِيّ عِنْد تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا رَوْح بْن عُبَادَة حَدَّثَنَا عَوْف عَنْ الْحَسَن وَمُحَمَّد وَخِلَاس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّه مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْد اللَّه وَجِيهًا " هَكَذَا أُورِد هَذَا الْحَدِيث هَهُنَا مُخْتَصَرًا جِدًّا وَقَدْ رَوَاهُ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء بِهَذَا السَّنَد بِعَيْنِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا لَا يُرَى مِنْ جِلْده شَيْء اِسْتِحْيَاء مِنْهُ فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل فَقَالُوا مَا يَتَسَتَّر هَذَا التَّسَتُّر إِلَّا مِنْ عَيْب فِي جِلْده إِمَّا بَرَص وَإِمَّا أُدْرَة وَإِمَّا آفَة وَإِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَخَلَا يَوْمًا وَحْده فَخَلَعَ ثِيَابه عَلَى حَجَر ثُمَّ اِغْتَسَلَ فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى ثِيَابه لِيَأْخُذهَا وَإِنَّ الْحَجَر عَدَا بِثَوْبِهِ فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَب الْحَجَر فَجَعَلَ يَقُول : ثَوْبِي حَجَر ثَوْبِي حَجَر حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَن مَا خَلَقَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَأَبْرَأهُ مِمَّا يَقُولُونَ وَقَامَ الْحَجَر فَأَخَذَ ثَوْبه فَلَبِسَهُ وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ فَوَاَللَّهِ إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَبًا مِنْ أَثَر ضَرْبه ثَلَاثَة أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا قَالَ فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّه مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْد اللَّه وَجِيهًا " وَهَذَا سِيَاق حَسَن مُطَوَّل وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ أَفْرَاد الْبُخَارِيّ دُون مُسْلِم وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا رَوْح حَدَّثَنَا عَوْف عَنْ الْحَسَن عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخِلَاس وَمُحَمَّد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّه مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْد اللَّه وَجِيهًا " قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا لَا يَكَاد يُرَى مِنْ جِلْده شَيْء اِسْتِحْيَاء مِنْهُ " ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيث كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ مُطَوَّلًا وَرَوَاهُ عَنْهُ فِي تَفْسِيره عَنْ رَوْح عَنْ عَوْف بِهِ وَرَوَاهُ اِبْن جَرِير مِنْ حَدِيث الثَّوْرِيّ عَنْ جَابِر الْجُعْفِيّ عَنْ عَامِر الشَّعْبِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ هَذَا وَهَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيث سُلَيْمَان بْن مِهْرَان الْأَعْمَش عَنْ الْمِنْهَال بْن عَمْرو عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَعَبْد اللَّه بْن الْحَارِث عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ آذَوْا مُوسَى " قَالَ : قَالَ قَوْمه لَهُ إِنَّك آدَر فَخَرَجَ ذَات يَوْم يَغْتَسِل فَوَضَعَ ثِيَابه عَلَى صَخْرَة فَخَرَجَتْ الصَّخْرَة تَشْتَدّ بِثِيَابِهِ وَخَرَجَ يَتْبَعهَا عُرْيَانًا حَتَّى اِنْتَهَتْ بِهِ مَجَالِس بَنِي إِسْرَائِيل قَالَ فَرَأَوْهُ لَيْسَ بِآدَر فَذَلِكَ قَوْله : " فَبَرَّأَهُ اللَّه مِمَّا قَالُوا " وَهَكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا سَوَاء.

وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَزَّار حَدَّثَنَا رَوْح بْن حَاتِم وَأَحْمَد بْن الْمُعَلَّى الْآدَمِيّ قَالَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن حَمَّاد حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام رَجُلًا حَيِيًّا وَأَنَّهُ أَتَى أَحْسِبهُ قَالَ الْمَاء لِيَغْتَسِل فَوَضَعَ ثِيَابه عَلَى صَخْرَة وَكَانَ لَا يَكَاد تَبْدُو عَوْرَته فَقَالَ بَنُو إِسْرَائِيل إِنَّ مُوسَى آدَر أَوْ بِهِ آفَة - يَعْنُونَ أَنَّهُ لَا يَضَع ثِيَابه - فَاحْتَمَلَتْ الصَّخْرَة ثِيَابه حَتَّى صَارَتْ بِحِذَاءِ مَجَالِس بَنِي إِسْرَائِيل فَنَظَرُوا إِلَى مُوسَى كَأَحْسَن الرِّجَال أَوْ كَمَا قَالَ - فَذَلِكَ قَوْله : " فَبَرَّأَهُ اللَّه مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْد اللَّه وَجِيهًا " وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا سَعِيد بْن سُلَيْمَان حَدَّثَنَا عَبَّاد بْن الْعَوَّام عَنْ سُفْيَان بْن حُسَيْن عَنْ الْحَكَم عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي قَوْله : " فَبَرَّأَهُ اللَّه مِمَّا قَالُوا " قَالَ صَعِدَ مُوسَى وَهَارُون الْجَبَل فَمَاتَ هَارُون عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ بَنُو إِسْرَائِيل لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَنْتَ قَتَلْته كَانَ أَلْيَن لَنَا مِنْك وَأَشَدّ حَيَاء فَأْذَوْهُ مِنْ ذَلِكَ فَأَمَرَ اللَّه الْمَلَائِكَة فَحَمَلْته فَمَرُّوا عَلَى مَجَالِس بَنِي إِسْرَائِيل فَتَكَلَّمَتْ بِمَوْتِهِ فَمَا عَرَفَ مَوْضِع قَبْره إِلَّا الرَّخَم وَإِنَّ اللَّه جَعَلَهُ أَصَمّ أَبْكَم وَهَكَذَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْ عَلِيّ بْن مُوسَى الطُّوسِيّ عَنْ عَبَّاد بْن الْعَوَّام بِهِ ثُمَّ قَالَ وَجَائِز أَنْ يَكُون هَذَا هُوَ الْمُرَاد بِالْأَذَى وَجَائِز أَنْ يَكُون الْأَوَّل هُوَ الْمُرَاد فَلَا قَوْل أَوْلَى مِنْ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قُلْت يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْكُلّ مُرَادًا وَأَنْ يَكُون مَعَهُ غَيْره وَاَللَّه أَعْلَم قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدَّثَنَا الْأَعْمَش عَنْ شَقِيق عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : قَسَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات يَوْم قَسْمًا فَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار إِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَة مَا أُرِيد بِهَا وَجْه اللَّه قَالَ فَقُلْت يَا عَدُوّ اللَّه أَمَا لَأُخْبِرَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قُلْت فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحْمَرَّ وَجْهه ثُمَّ قَالَ " رَحْمَة اللَّه عَلَى مُوسَى فَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَر مِنْ هَذَا فَصَبَرَ " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث سُلَيْمَان بْن مِهْرَان الْأَعْمَش بِهِ " طُرُق أُخْرَى " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا حَجَّاج سَمِعْت إِسْرَائِيل بْن يُونُس عَنْ الْوَلِيد بْن أَبِي هِشَام مَوْلَى هَمْدَان عَنْ زَيْد بْن زَائِدَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ" لَا يُبَلِّغنِي أَحَد عَنْ أَحَد مِنْ أَصْحَابِي شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبّ أَنْ أَخْرُج إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيم الصَّدْر " فَأَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَال فَقَسَمَهُ قَالَ فَمَرَرْت بِرَجُلَيْنِ وَأَحَدهمَا يَقُول لِصَاحِبِهِ وَاَللَّه مَا أَرَادَ

مُحَمَّد بِقِسْمَتِهِ وَجْه اللَّه وَلَا الدَّار الْآخِرَة قَالَ فَثَبَتّ حَتَّى سَمِعْت مَا قَالَا ثُمَّ أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت يَا رَسُول إِنَّك قُلْت لَنَا : " لَا يُبَلِّغنِي أَحَد عَنْ أَصْحَابِي شَيْئًا " وَإِنِّي مَرَرْت بِفُلَانِ وَفُلَان وَهُمَا يَقُولَانِ كَذَا وَكَذَا فَاحْمَرَّ وَجْه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَقَّ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ دَعْنَا مِنْك لَقَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَر مِنْ هَذَا فَصَبَرَ " وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْأَدَب عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهْلِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن يُوسُف الْفِرْيَابِيّ عَنْ إِسْرَائِيل عَنْ الْوَلِيد بْن أَبِي هِشَام بِهِ مُخْتَصَرًا " لَا يُبَلِّغنِي أَحَد عَنْ أَحَد شَيْئًا إِنِّي أُحِبّ أَنْ أَخْرُج إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيم الصَّدْر" وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي الْمَنَاقِب عَنْ الذُّهْلِيّ سَوَاء إِلَّا أَنَّهُ قَالَ زَيْد بْن زَائِدَة وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى وَحُسَيْن بْن مُحَمَّد كِلَاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيل عَنْ السُّدِّيّ عَنْ الْوَلِيد بْن أَبِي هِشَام بِهِ مُخْتَصَرًا أَيْضًا فَزَادَ فِي إِسْنَاده السُّدِّيّ ثُمَّ قَالَ غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَوْله تَعَالَى : " وَكَانَ عِنْد اللَّه وَجِيهًا " أَيْ لَهُ وَجَاهَة وَجَاه عِنْد رَبّه عَزَّ وَجَلَّ قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ كَانَ مُسْتَجَاب الدَّعْوَة عِنْد اللَّه وَقَالَ غَيْره مِنْ السَّلَف لَمْ يَسْأَل اللَّه شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ وَلَكِنْ مُنِعَ الرُّؤْيَة لِمَا يَشَاء اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ بَعْضهمْ مِنْ وَجَاهَته الْعَظِيمَة عِنْد اللَّه أَنَّهُ شَفَعَ فِي أَخِيهِ هَارُون أَنْ يُرْسِلهُ اللَّه مَعَهُ فَأَجَابَ اللَّه سُؤَاله فَقَالَ " وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتنَا أَخَاهُ هَارُون نَبِيًّا " .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70 )

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سديدا

يَقُول تَعَالَى آمِرًا عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ وَأَنْ يَعْبُدُوهُ عِبَادَة مَنْ كَأَنَّهُ يَرَاهُ وَأَنْ يَقُولُوا" قَوْلًا سَدِيدًا " أَيْ مُسْتَقِيمًا لَا اِعْوِجَاج فِيهِ وَلَا اِنْحِرَاف .

يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71 )

يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا

وَوَعَدَهُمْ أَنَّهُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ أَثَابَهُمْ عَلَيْهِ بِأَنْ يُصْلِح لَهُمْ أَعْمَالهمْ أَيْ يُوَفِّقهُمْ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَة وَأَنْ يَغْفِر لَهُمْ الذُّنُوب الْمَاضِيَة وَمَا قَدْ يَقَع مِنْهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَل يُلْهِمهُمْ التَّوْبَة مِنْهَا ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : " وَمَنْ يُطِعْ اللَّه وَرَسُوله فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا " وَذَلِكَ أَنَّهُ يُجَار مِنْ نَار الْجَحِيم وَيَصِير إِلَى النَّعِيم الْمُقِيم . قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَوْف حَدَّثَنَا خَالِد عَنْ لَيْث عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة الظُّهْر فَلَمَّا اِنْصَرَفَ أَوْمَأَ إِلَيْنَا بِيَدِهِ فَجَلَسْنَا فَقَالَ" إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَنِي أَنْ آمُركُمْ أَنْ تَتَّقُوا اللَّه وَتَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا " ثُمَّ أَتَى النِّسَاء فَقَالَ " إِنَّ اللَّه أَمَرَنِي أَنْ آمُركُنَّ أَنْ تَتَّقِينَ اللَّه وَتَقُلْنَ قَوْلًا سَدِيدًا " وَقَالَ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَاب التَّقْوَى حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبَّاد بْن مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن عِمْرَان الزُّهْرِيّ حَدَّثَنَا عِيسَى بْن سَبْرَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : مَا قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَر إِلَّا سَمِعْته يَقُول " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللَّه وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا " الْآيَة غَرِيب جِدًّا وَرَوَى عَبْد الرَّحِيم بْن زَيْد الْعَمِّيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب عَنْ اِبْن عَبَّاس مَوْقُوفًا : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُون أَكْرَم النَّاس فَلْيَتَّقِ اللَّه قَالَ عِكْرِمَة الْقَوْل السَّدِيد لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَقَالَ غَيْره السَّدِيد الصِّدْق وَقَالَ مُجَاهِد هُوَ السَّدَاد وَقَالَ غَيْره هُوَ الصَّوَاب وَالْكُلّ حَقّ .

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72 )

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا

قَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس يَعْنِي بِالْأَمَانَةِ الطَّاعَة عَرَضَهَا عَلَيْهِمْ قَبْل أَنْ يَعْرِضهَا عَلَى آدَم فَلَمْ يُطِقْنَهَا فَقَالَ لِآدَم : إِنِّي قَدْ عَرَضْت الْأَمَانَة عَلَى السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فَلَمْ يُطِقْنَهَا فَهَلْ أَنْتَ آخِذ بِمَا فِيهَا ؟ قَالَ يَا رَبّ وَمَا فِيهَا ؟ قَالَ إِنْ أَحْسَنْت جُزِيت وَإِنْ أَسَأْت عُوقِبْت فَأَخَذَهَا آدَم فَتَحَمَّلَهَا فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَحَمَلَهَا الْإِنْسَان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا " وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : الْأَمَانَة الْفَرَائِض عَرَضَهَا اللَّه عَلَى السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال إِنْ أَدَّوْهَا أَثَابَهُمْ وَإِنْ ضَيَّعُوهَا عَذَّبَهُمْ فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَأَشْفَقُوا عَلَيْهِ مِنْ غَيْر مَعْصِيَة وَلَكِنْ تَعْظِيمًا لِدِينِ اللَّه أَنْ لَا يَقُومُوا بِهَا ثُمَّ عَرَضَهَا عَلَى آدَم فَقَبِلَهَا بِمَا فِيهَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : " وَحَمَلَهَا الْإِنْسَان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا " أَيْ غِرًّا بِأَمْرِ اللَّه وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ أَبِي بِشْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة " إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَة عَلَى السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا " قَالَ عُرِضَتْ عَلَى آدَم فَقَالَ خُذْهَا بِمَا فِيهَا فَإِنْ أَطَعْت غَفَرْت لَك وَإِنْ عَصَيْت عَذَّبْتُك قَالَ قَبِلْت فَمَا كَانَ إِلَّا مِقْدَار مَا بَيْن الْعَصْر إِلَى اللَّيْل مِنْ ذَلِكَ الْيَوْم حَتَّى أَصَابَ الْخَطِيئَة وَقَدْ رَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَرِيبًا مِنْ هَذَا وَفِيهِ نَظَر وَانْقِطَاع بَيْن الضَّحَّاك وَبَيْنه وَاَللَّه أَعْلَم وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالضَّحَّاك وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَغَيْر وَاحِد : إِنَّ الْأَمَانَة هِيَ الْفَرَائِض وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ الطَّاعَة وَقَالَ أَعْمَش عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوق قَالَ : قَالَ أُبَيّ بْن كَعْب مِنْ الْأَمَانَة أَنَّ الْمَرْأَة اُؤْتُمِنَتْ عَلَى فَرْجهَا وَقَالَ قَتَادَة الْأَمَانَة الدِّين وَالْفَرَائِض وَالْحُدُود وَقَالَ بَعْضهمْ الْغُسْل مِنْ الْجَنَابَة وَقَالَ مَالِك عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ قَالَ الْأَمَانَة ثَلَاثَة الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالِاغْتِسَال مِنْ الْجَنَابَة وَكُلّ هَذِهِ الْأَقْوَال لَا تَنَافِي بَيْنهَا بَلْ هِيَ مُتَّفِقَة وَرَاجِعَة إِلَى أَنَّهَا التَّكْلِيف وَقَبُول الْأَوَامِر وَالنَّوَاهِي بِشَرْطِهَا وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ قَامَ بِذَلِكَ أُثِيب وَإِنْ تَرَكَهَا عُوقِبَ فَقَبِلَهَا الْإِنْسَان عَلَى ضَعْفه وَجَهْله وَظُلْمه إِلَّا مَنْ وَفَّقَ اللَّه وَبِاَللَّهِ الْمُسْتَعَان قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُغِيرَة الْبَصْرِيّ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن وَاقِد يَعْنِي أَبَا عُمَر الصَّفَّار سَمِعْت أَبَا مَعْمَر يَعْنِي عَوْن بْن مَعْمَر يُحَدِّث عَنْ الْحَسَن يَعْنِي الْبَصْرِيّ أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَة " إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَة عَلَى السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال " قَالَ عَرَضَهَا عَلَى السَّبْع الطِّبَاق الطَّرَائِق الَّتِي زُيِّنَتْ بِالنُّجُومِ وَحَمَلَة الْعَرْش الْعَظِيم فَقِيلَ لَهَا هَلْ

تَحْمِلِينَ الْأَمَانَة وَمَا فِيهَا ؟ قَالَتْ وَمَا فِيهَا ؟ قَالَ قِيلَ لَهَا إِنْ أَحْسَنْت جُزِيت وَإِنْ أَسَأْت عُوقِبْت قَالَتْ : لَا ثُمَّ عَرَضَهَا عَلَى الْأَرَضِينَ السَّبْع الشِّدَاد الَّتِي شُدَّتْ بِالْأَوْتَادِ وَذُلِّلَتْ بِالْمِهَادِ قَالَ فَقِيلَ لَهَا هَلْ تَحْمِلِينَ الْأَمَانَة وَمَا فِيهَا ؟ قَالَتْ وَمَا فِيهَا ؟ قَالَ قِيلَ لَهَا إِنْ أَحْسَنْت جُزِيت وَإِنْ أَسَأْت عُوقِبْت قَالَتْ : لَا ثُمَّ عَرَضَهَا عَلَى الْجِبَال الشُّمّ الشَّوَامِخ الصِّعَاب الصِّلَابِ قَالَ قِيلَ لَهَا هَلْ تَحْمِلِينَ الْأَمَانَة وَمَا فِيهَا ؟ قَالَتْ وَمَا فِيهَا ؟ قَالَ لَهَا إِنْ أَحْسَنْت جُزِيت وَإِنْ أَسَأْت عُوقِبْت قَالَتْ : لَا وَقَالَ مُقَاتِل بْن حَيَّان إِنَّ اللَّه تَعَالَى حِين خَلَقَ خَلْقه جَمَعَ بَيْن الْإِنْس وَالْجِنّ وَالسَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فَبَدَأَ بِالسَّمَاوَاتِ فَعَرَضَ عَلَيْهِنَّ الْأَمَانَة وَهِيَ الطَّاعَة فَقَالَ لَهُنَّ أَتَحْمِلْنَ هَذِهِ الْأَمَانَة وَلَكِنْ عَلَى الْفَضْل وَالْكَرَامَة وَالثَّوَاب فِي الْجَنَّة ؟ فَقُلْنَ يَا رَبّ إِنَّا لَا نَسْتَطِيع هَذَا الْأَمْر وَلَيْسَ بِنَا قُوَّة وَلَكِنَّا لَك مُطِيعِينَ ثُمَّ عَرَضَ الْأَمَانَة عَلَى الْأَرَضِينَ فَقَالَ لَهُنَّ : أَتَحْمِلْنَ هَذِهِ الْأَمَانَة وَتَقْبَلْنَهَا مِنِّي وَأُعْطِيكُنَّ الْفَضْل وَالْكَرَامَة فِي الدُّنْيَا ؟ فَقُلْنَ لَا صَبْر لَنَا عَلَى هَذَا يَا رَبّ وَلَا نُطِيق وَلَكِنَّا لَك سَامِعِينَ مُطِيعِينَ لَا نَعْصِيك فِي شَيْء أَمَرْتنَا بِهِ ثُمَّ قَرَّبَ آدَم فَقَالَ لَهُ أَتَحْمِلُ هَذِهِ الْأَمَانَة وَتَرْعَاهَا حَقّ رِعَايَتهَا ؟ فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ آدَم مَا لِي عِنْدك ؟ قَالَ يَا آدَم إِنْ أَحْسَنْت وَأَطَعْت وَرَعَيْت الْأَمَانَة فَلَك عِنْدِي الْكَرَامَة وَالْفَضْل وَحُسْن الثَّوَاب فِي الْجَنَّة وَإِنْ عَصَيْت وَلَمْ تَرْعَهَا حَقّ رِعَايَتهَا وَأَسَأْت فَإِنِّي مُعَذِّبك وَمُعَاقِبك وَأُنْزِلُك النَّارَ قَالَ رَضِيت يَا رَبّ وَأَتَحَمَّلهَا فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عِنْد ذَلِكَ قَدْ حَمَّلْتُكهَا فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَحَمَلَهَا الْإِنْسَان " رَوَاهُ اِبْن أَبَى حَاتِم وَعَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ قَالَ عَرَضَهَا عَلَى السَّمَاوَات فَقَالَتْ يَا رَبّ حَمَّلْتنِي الْكَوَاكِب وَسُكَّان السَّمَاء وَمَا ذَكَرَ وَمَا أُرِيد ثَوَابًا وَلَا أَحْمِل فَرِيضَة قَالَ وَعَرَضَهَا عَلَى الْأَرْض فَقَالَتْ يَا رَبّ غَرَسْت فِيَّ الْأَشْجَار وَأَجْرَيْت فِيَّ الْأَنْهَار وَسُكَّان الْأَرْض وَمَا ذَكَرَ وَمَا أُرِيد ثَوَابًا وَلَا أَحْمِل فَرِيضَة وَقَالَتْ الْجِبَال مِثْل ذَلِكَ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَحَمَلَهَا الْإِنْسَان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا " فِي عَاقِبَة أَمْره وَهَكَذَا قَالَ اِبْن جُرَيْج وَعَنْ اِبْن أَشَوْع أَنَّهُ قَالَ لَمَّا عَرَضَ اللَّه عَلَيْهِنَّ حَمْل الْأَمَانَة ضَجَجْنَ إِلَى اللَّه ثَلَاثَة أَيَّام وَلَيَالِيهنَّ وَقُلْنَ رَبّنَا لَا طَاقَة لَنَا بِالْعَمَلِ وَلَا نُرِيد الثَّوَاب ثُمَّ قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا هَارُون بْن زَيْد بْن أَبِي الزَّرْقَاء الْمَوْصِلِيّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا هِشَام بْن سَعْد عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ فِي هَذِهِ الْآيَة" إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَة عَلَى السَّمَاوَات وَالْأَرْض " الْآيَة قَالَ الْإِنْسَان بَيْن أُذُنِي وَعَاتِقِي

فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِنِّي مُعِينك عَلَيْهَا إِنِّي مُعِينك عَلَى عَيْنَيْك بِطَبَقَتَيْنِ فَإِذَا نَازَعَاك إِلَى مَا أَكْرَه فَأَطْبِقْ وَمُعِينك عَلَى لِسَانك بِطَبَقَتَيْنِ فَإِذَا نَازَعَك إِلَى مَا أَكْرَه فَأَطْبِقْ وَمُعِينك عُلَى فَرْجك بِلِبَاسٍ فَلَا تَكْشِفهُ إِلَى مَا أَكْرَه ثُمَّ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَازِم نَحْو هَذَا وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا يُونُس حَدَّثَنَا اِبْن وَهْب قَالَ قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : " إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَة عَلَى السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال" الْآيَة قَالَ إِنَّ اللَّه تَعَالَى عَرَضَ عَلَيْهِنَّ الْأَمَانَة أَنْ يَفْتَرِض عَلَيْهِنَّ الدِّين وَيَجْعَل لَهُنَّ ثَوَابًا وَعِقَابًا وَيَسْتَأْمِنهُنَّ عَلَى الدِّين فَقُلْنَ لَا نَحْنُ مُسَخَّرَات لِأَمْرِك لَا نُرِيد ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا قَالَ وَعَرَضَهَا اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى آدَم فَقَالَ بَيْن أُذُنِي وَعَاتِقِي قَالَ اِبْن زَيْد فَقَالَ اللَّه تَعَالَى لَهُ : أَمَّا إِذَا تَحَمَّلْت هَذَا فَسَأُعِينُك أَجْعَل لِبَصَرِك حِجَابًا فَإِذَا خَشِيت أَنْ تَنْظُر إِلَى مَا لَا يَحِلّ لَك فَأَرْخِ عَلَيْهِ حِجَابه وَأَجْعَل لِلِسَانِك بَابًا وَغَلْقًا فَإِذَا خَشِيت فَأَغْلِقْ وَأَجْعَل لِفَرْجِك لِبَاسًا فَلَا تَكْشِفهُ إِلَّا عَلَى مَا أَحْلَلْت لَك وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي سَعِيد بْن عَمْرو السُّكُونِيّ حَدَّثَنَا بَقِيَّة حَدَّثَنَا عِيسَى بْن إِبْرَاهِيم عَنْ مُوسَى بْن أَبِي حَبِيب عَنْ الْحَكَم بْن عُمَيْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ الْأَمَانَة وَالْوَفَاء نَزَلَا عَلَى اِبْن آدَم مَعَ الْأَنْبِيَاء فَأَرْسَلُوا بِهِ فَمِنْهُمْ رَسُول اللَّه وَمِنْهُمْ نَبِيّ وَمِنْهُمْ نَبِيّ رَسُول وَنَزَلَ الْقُرْآن وَهُوَ كَلَام اللَّه وَأُنْزِلَتْ الْعَجَمِيَّة وَالْعَرَبِيَّة فَعَلِمُوا أَمْر الْقُرْآن وَعَلِمُوا أَمْر السُّنَن بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَمْ يَدَعْ اللَّه تَعَالَى شَيْئًا مِنْ أَمْره مِمَّا يَأْتُونَ وَمَا يَجْتَنِبُونَ وَهِيَ الْحُجَج عَلَيْهِمْ إِلَّا بَيَّنَهُ لَهُمْ فَلَيْسَ أَهْل لِسَان إِلَّا وَهُمْ يَعْرِفُونَ الْحَسَن وَالْقَبِيح ثُمَّ الْأَمَانَة أَوَّل شَيْء يُرْفَع وَيَبْقَى أَثَرهَا فِي جُذُور قُلُوب النَّاس ثُمَّ يُرْفَع الْوَفَاء وَالْعَهْد وَالذِّمَم وَتَبْقَى الْكُتُب فَعَالِم يَعْمَل وَجَاهِل يَعْرِفهَا وَيُنْكِرهَا وَلَا يَحْمِلهَا حَتَّى وَصَلَ إِلَيَّ وَإِلَى أُمَّتِي وَلَا يَهْلِك عَلَى اللَّه إِلَّا هَالِك وَلَا يَغْفُل إِلَّا تَارِك فَالْحَذَر أَيّهَا النَّاس وَإِيَّاكُمْ وَالْوَسْوَاس الْخَنَّاس فَإِنَّمَا يَبْلُوكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَن عَمَلًا " هَذَا حَدِيث غَرِيب جِدًّا وَلَهُ شَوَاهِد مِنْ وُجُوه أُخْرَى ثُمَّ قَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خَلَف الْعَسْقَلَانِيّ حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد الْمَجِيد الْحَنَفِيّ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَوَّام الْقَطَّان حَدَّثَنَا قَتَادَة وَأَبَان بْن أَبِي عَيَّاش عَنْ خُلَيْد الْعَصْرِيّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خَمْس مَنْ جَاءَ بِهِنَّ يَوْم الْقِيَامَة مَعَ إِيمَان دَخَلَ الْجَنَّة : مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَات الْخَمْس عَلَى وُضُوئِهِنَّ وَرُكُوعهنَّ وَسُجُودهنَّ وَمَوَاقِيتهنَّ وَأَعْطَى الزَّكَاة مِنْ مَاله طَيِّب النَّفْس بِهَا وَكَانَ يَقُول وَأَيْم اللَّه لَا يَفْعَل ذَلِكَ إِلَّا مُؤْمِن وَأَدَّى الْأَمَانَة " قَالُوا يَا أَبَا الدَّرْدَاء وَمَا أَدَاء الْأَمَانَة ؟ قَالَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الْغُسْل مِنْ الْجَنَابَة فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يَأْمَن اِبْن آدَم عَلَى شَيْء مِنْ دِينه غَيْره وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْعَنْبَرِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد الْمَجِيد الْحَنَفِيّ عَنْ أَبِي الْعَوَّام عُمَر بْن دَاوُدَ الْقَطَّان بِهِ وَقَالَ اِبْن جَرِير أَيْضًا حَدَّثَنَا تَمِيم بْن الْمُنْتَصِر أَخْبَرَنَا إِسْحَاق عَنْ شَرِيك عَنْ الْأَعْمَش عَنْ عَبْد اللَّه بْن السَّائِب عَنْ زَاذَانَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " الْقَتْل فِي سَبِيل اللَّه يُكَفِّر الذُّنُوب كُلّهَا أَوْ قَالَ يُكَفِّر كُلّ شَيْء إِلَّا الْأَمَانَة يُؤْتَى بِصَاحِبِ الْأَمَانَة فَيُقَال لَهُ أَدِّ أَمَانَتك فَيَقُول أَنَّى يَا رَبّ وَقَدْ ذَهَبَتْ الدُّنْيَا ؟ فَيُقَال لَهُ أَدِّ أَمَانَتك فَيَقُول أَنَّى يَا رَبّ وَقَدْ ذَهَبَتْ الدُّنْيَا ؟ فَيُقَال لَهُ أَدِّ أَمَانَتك فَيَقُول أَنَّى يَا رَبّ وَقَدْ ذَهَبَتْ الدُّنْيَا ؟ فَيَقُول اِذْهَبُوا بِهِ إِلَى أُمّه الْهَاوِيَة فَيُذْهَب بِهِ إِلَى الْهَاوِيَة فَيَهْوِي فِيهَا حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى قَعْرهَا فَيَجِدهَا هُنَالِكَ كَهَيْئَتِهَا فَيَحْمِلهَا فَيَضَعهَا عَلَى عَاتِقه فَيَصْعَد بِهَا إِلَى شَفِير جَهَنَّم حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ زَلَّتْ قَدَمُهُ فَهَوَى فِي أَثَرهَا أَبَد الْآبِدِينَ " قَالَ وَالْأَمَانَة فِي الصَّلَاة وَالْأَمَانَة فِي الصَّوْم وَالْأَمَانَة فِي الْوُضُوء وَالْأَمَانَة فِي الْحَدِيث وَأَشَدّ ذَلِكَ الْوَدَائِع . فَلَقِيت الْبَرَاء فَقُلْت أَلَا تَسْمَع مَا يَقُول أَخُوك عَبْد اللَّه ؟ فَقَالَ صَدَقَ وَقَالَ شَرِيك وَحَدَّثَنَا عَيَّاش الْعَامِرِيّ عَنْ زَاذَانَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ وَلَمْ يَذْكُر الْأَمَانَة فِي الصَّلَاة وَفِي كُلّ شَيْء. إِسْنَاده جَيِّد وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ وَمِمَّا يَتَعَلَّق بِالْأَمَانَةِ الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدَّثَنَا الْأَعْمَش عَنْ زَيْد بْن وَهْب عَنْ حُذَيْفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : حَدَّثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ قَدْ رَأَيْت أَحَدهمَا وَأَنَا أَنْتَظِر الْآخَر حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَة نَزَلَتْ فِي جَذْر قُلُوب الرِّجَال ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآن فَعَلِمُوا مِنْ الْقُرْآن وَعَلِمُوا مِنْ السُّنَّة .

ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْع الْأَمَانَة فَقَالَ : يَنَام الرَّجُل النَّوْمَة فَتُقْبَض الْأَمَانَة مِنْ قَلْبه فَيَظَلّ أَثَرهَا مِثْل أَثَر الْمَجْل كَجَمْرٍ دَحْرَجْته عَلَى رِجْلك تَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء قَالَ : ثُمَّ أَخَذَ حَصًى فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْله قَالَ فَيُصْبِح النَّاس يَتَبَايَعُونَ لَا يَكَاد أَحَد يُؤَدِّي الْأَمَانَة حَتَّى يُقَال إِنَّ فِي بَنِي فُلَان رَجُلًا أَمِينًا حَتَّى يُقَال لِلرَّجُلِ مَا أَجْلَده وَأَظْرَفه وَأَعْقَله وَمَا فِي قَلْبه حَبَّة خَرْدَل مِنْ إِيمَان وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَان وَمَا أُبَالِي أَيّكُمْ بَايَعْت إِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينه وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيه فَأَمَّا الْيَوْم فَمَا كُنْت أُبَايِع مِنْكُمْ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث الْأَعْمَش بِهِ . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا حَسَن حَدَّثَنَا اِبْن لَهِيعَة عَنْ الْحَارِث بْن يَزِيد الْحَضْرَمِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَرْبَع إِذَا كُنَّ فِيك فَلَا عَلَيْك مَا فَاتَك مِنْ الدُّنْيَا : حِفْظ أَمَانَة وَصِدْق حَدِيث وَحُسْن خَلِيقَة وَعِفَّة طُعْمَة هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد فِي مُسْنَد عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَقَدْ قَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي مُسْنَد عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَيُّوب الْعَلَّاف الْمِصْرِيّ حَدَّثَنَا سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم حَدَّثَنَا اِبْن لَهِيعَة عَنْ الْحَارِث بْن يَزِيد عَنْ اِبْن حُجَيْرَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَع إِذَا كُنَّ فِيك فَلَا عَلَيْك مَا فَاتَك مِنْ الدُّنْيَا : حِفْظ أَمَانَة وَصِدْق حَدِيث وَحُسْن خَلِيقَة وَعِفَّة طُعْمَة " فَزَادَ فِي الْإِسْنَاد اِبْن حُجَيْرَة وَجَعَلَهُ فِي مُسْنَد اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَقَدْ وَرَدَ النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِالْأَمَانَةِ قَالَ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك فِي كِتَاب الزُّهْد حَدَّثَنَا شَرِيك عَنْ أَبِي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ عَنْ خَنَّاس بْن سُحَيْمٍ أَوْ قَالَ جِبِلَّة بْن سُحَيْمٍ قَالَ أَقْبَلْت مَعَ زِيَاد بْن حُدَيْرٍ مِنْ الْجَابِيَة فَقُلْت فِي كَلَامِي لَا وَالْأَمَانَة فَجَعَلَ زِيَاد يَبْكِي وَيَبْكِي فَظَنَنْت أَنِّي أَتَيْت أَمْرًا عَظِيمًا فَقُلْت لَهُ أَكَانَ يُكْرَه هَذَا ؟ قَالَ نَعَمْ : كَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب يَنْهَى عَنْ الْحَلِف بِالْأَمَانَةِ أَشَدّ النَّهْي وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيث مَرْفُوع قَالَ أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن يُونُس حَدَّثَنَا زُهَيْر حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن ثَعْلَبَة الطَّائِيّ عَنْ اِبْن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا " تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ رَحِمَهُ اللَّه .

اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ( ٧٣ )

لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا

وَقَوْله تَعَالَى : " لِيُعَذِّب اللَّه الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَات وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَات" أَيْ إِنَّمَا حَمَّلَ بَنِي آدَم الْأَمَانَة وَهِيَ التَّكَالِيف لِيُعَذِّب اللَّه الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ وَالْمُنَافِقَات وَهُمْ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الْإِيمَان خَوْفًا مِنْ أَهْله وَيُبْطِنُونَ الْكُفْر مُتَابَعَة لِأَهْلِهِ " وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَات" وَهُمْ الَّذِينَ ظَاهِرهمْ وَبَاطِنهمْ عَلَى الشِّرْك بِاَللَّهِ وَمُخَالَفَة رُسُله " وَيَتُوب اللَّه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات" أَيْ وَلِيَرْحَم الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْخَلْق الَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله الْعَامِلِينَ بِطَاعَتِهِ" وَكَانَ اللَّه غَفُورًا رَحِيمًا " آخِر تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة .






رد مع اقتباس
  #22  
قديم 10-06-2018, 06:55 AM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -21-


العقل المقلِّد

إن العقل له طريقان في التعقل، وهما طريق الفكر وطريق الكشف، كما ذكرنا مرارا. والفكر هو سير على ضوابط لا تنخرم، كما هو معلوم؛ وأما الكشف فقبول على نور وبينة. وكل ما سوى هذين، فليس من العقل بالمعنى الاصطلاحي؛ وإنما هو من الثقافة العامة، والتربية الاجتماعية المشتركة. وأغلب العقول في المجتمعات، هي عقول تخضع لهيمنة المجتمع، ولا تتمكن من شق طريقها منفردة. وهذا غير مستغرب، إن علمنا أن هذه العقول لا تعدو ما نسميه العقول المعاشية.

إن الله قد نهى عن التقليد في مثل قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23]. المقصود بالآباء الأجيال السابقة، التي يقلدها الجيل الجديد، من غير تمحيص لما كانت عليه. ولقد غلط كثير من التالين لهذه الآية ومثيلاتها، عندما ظنوا أن أمر التقليد يخص الكفار والمشركين، قبل الإسلام وحدهم. والحقيقة هي أن كثيرا من الانحرافات التي أصابت المجتمعات الإسلامية، إنما كان مردها إلى تقليد الأبناء للآباء، الذي يكون في الغالب مرفوقا باستبداد وإكراه، لا يختلفان كثيرا عن استبداد وإكراه الحكام. ولولا إكراه الآباء للأبناء، لكان الانتقال داخل الأمة من مذهب إلى آخر سهلا ميسرا، كما تقتضي ذلك حرية الاختيار واستقلالية القرار.

والأنكى من ذلك، هو أن الإكراه على التقليد، كثيرا ما يُدرج ضمن أعمال البر وأخلاق الإيمان، كما يحدث عندما تُجعل موافقة الوالدين من دون علم بالمآلات، من البرور الشرعي بهما. ونظير ذلك ما يحدث مع علماء الدين، الذين تصير موافقتهم موافقة للدين عينه، من غير تمحيص. إن كل هذا الخلط، قد أصاب الأمة واستمر لديها القرون تلو القرون؛ حتى بلغنا وضعا، يكاد من التركيب أن يؤدي إلى اليأس من إدراك السلامة يوما.

إنه من المؤكد أن العقول المعاشية، لا تتمكن من التمييز الضروري لتبيّن الحق. وهذا يعني أنه لا مناص لها من التقليد. لكن التقليد من هؤلاء، لا ينبغي أن يكون لكل أحد. وقد سبق أن ذكرنا في فصل قبل هذا، أن العقول الجزئية، ينبغي أن تستمد العلم من العقل النبوي ومن العقل الوراثي. والاستمداد ليس كالتقليد، لأنه نوري، يعلم به التابع ما هو فيه تابع بالنور المستمد. وقد قال الله تعالى في هذا المعنى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108]. والعقل المقلِّد، غير المتبع للهدي النبوي، هو في الحقيقة عقل مستقيل، قد أسلم قياده لعقل لا يختلف عنه كثيرا، وإن بدا الأمر غير ذلك؛ خصوصا إن كان المقلَّد مفكرا، والمقلِّد معاشيا. ذلك لأن للمفكر هيمنة على الآخر، لا يتمكن من التملص منها. ولو علم الناس أن العقل المفكر (الفيلسوف)، قد يكون أضل منهم بالنظر إلى معرفة الحقيقة، لأعادوا النظر مرات، قبل أن يعتنقوا مختلف المقولات. نقول هذا، لأن صاحب العقل المعاشي، قد يكون أقرب إلى حال الفطرة من المفكر؛ ولكن المفكر بسبب تمكنه من البرهنة على الأمور، ومن حسن التعبير، فإنه يُظن به أنه عالم بالحقيقة؛ أو على الأقل هو أقرب إليها من غيره. وهذا الخلط، هو من أكبر أسباب ضلال العامة في كل عصر؛ خصوصا إن ألبس لباس السمو، كما يحدث في الجامعات وأماكن العبادة، حيث يُتوهم أن المتكلمين أرفع مكانة من غيرهم وأكثر دخولا في الرسمية.

عندما ننظر إلى مبادئ الإسلام، التي من أظهرها صرف العبادة لله وحده، وعدم قبول الشريك، ثم نرى المجتمعات الإسلامية ترزح تحت صنوف لا حصر لها، من القيود والأغلال؛ فإنه يحق لنا أن نتساءل عن مدى مطابقة تديننا للإسلام الأصلي، الذي يقول الله في أهله: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157]. إن الجمود الذي تعاني منه مجتمعاتنا، لا يُمكن أن يكون من الدين الرباني؛ وإنما هو من الدين المحرَّف الذي آلت إليه صورة الدين الأول، بعد تعاقب أجيال من الفقهاء، حرصت على أن تكون الكلمة لهم لا للدين؛ من دون أن يشعر أصحاب العقل المعاشي بذلك.

أما اليوم، فإن الأمة قد أضافت إلى تقليدها الأول تقليدا ثانيا، هو للفكر العالمي الذي لا أساس له من الهدي الرباني. وقد دخل عليها هذا، بسبب اشتغال المعاشيين بالفكر والنظر، من غير أن تكون لهم الأهلية لذلك. ولقد كانت المؤسسات التعليمية البيئة المناسبة لهذا التلويث المقصود.

إن النظام الدجالي بفروعه في بلداننا، يعمد إلى إبراز أشخاص بعينهم في مجالات الفكر، وينصبهم دعاة لهذا الخلط الذي لا ينطبق عليه إلا اسم الضلال؛ ويقطع الطريق في المقابل على من يمكن أن يفند مزاعمهم أو أن يكون أهلا للنقد الصحيح، المبني على قواعد الفكر السليم. وإن هذه السياسة التي أصبحت عالمية، لا شك هي من أسباب وقوع هذه الفتن المتنوعة التي لا يكاد يخلو منها بلد من بلداننا.

إن كل كارثة من الكوارث الحالّة بديارنا، لا تخرج إلى الشهادة (الواقع)، إلا وقد سبقتها كوارث في العقل لدى جموعنا. إن تفجير العقول، يسبق تفجير المباني؛ وإن قتل العقول، يتقدم قتل النفوس؛ وإن استعباد العقول، يؤدي حتما إلى استعباد الأبدان، وإلى احتلال الأوطان، وسرقة أرزاقها...

إن التقليد لدينا، هو آفة الآفات، التي ينبغي التخلص منها بأسرع مما يُعمل على التعافي من الأمراض الفتاكة. وإن الاستمرار في السياسات الدجالية، لن يتأتى إلا بتغييب العقل بوسائل مختلفة، يأتي في مقدمها الدين المحرف. والدين إن عاد في أي مجتمع، سببا للإضرار بالعباد (بالمعنى الشرعي)، فإن تركه يكون أولى من الاستمرار فيه. أليس لهذا السبب قد دعا الله الكتابيين إلى نبذ ما عندهم، والعودة إلى الأصل؟ {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [آل عمران: 64].















...............................






رد مع اقتباس
  #23  
قديم 16-06-2018, 08:01 AM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -22-
نشرت بجريدة : "الأخبار" المغربية، العدد : 1702
بتاريخ : الأربعاء 14 رمضان 1439 / 30 ماي 2018

العقل والأيديولوجيا


من أهم العوائق العقلية لدى العرب المسلمين، عدم تمييزهم للأيديولوجيا الدينية، التي يرونها دينا. وإذا دخلت الأيديولوجيا على الدين، فإنها تصير مانعا عن تحصيل الاتساع العقلي، الذي يكون مع ورود النور عقب الأعمال الشرعية. ولقد تأدلج الدين مرتين: الأولى، عندما انغلقت الجماعات (الشعوب) داخل مذاهب فقهية؛ وكأنها الشريعة ذاتها. وهذا قد أغلق باب الاجتهاد الفقهي، الذي كان لزاما أن يبقى مفتوحا؛ حتى يساير تطور مظاهر العيش في كل زمان. والثانية، عندما دخلت الجماعات أقفاص المذاهب العقدية، لتبقى فيها منعزلة عن عموم الأمة، التي كان ينبغي أن يجمعها معها الإسلام بشموليته وسعته.

إن المرء عندما يتلقى دينه بالتقليد، فإنه يكون قد استبدل نسخة من الدين وضعية، بتلك الأصلية الربانية. وهذا التدين المستحدث، هو ما يجعل الشعوب لا تبلغ ثمار التدين التي عرفها المؤمنون الأولون. وإن التزام التدين، ولو جزئيا، مع فقد صورته الأصلية وحلول الأيديولوجيا محلها، هو ما يؤدي إلى عيش حالة الفصام العقلي الجمعي، الذي يجعل الحياة الاجتماعية في بلداننا، ركاما من المتناقضات التي تكاد تكون في النهاية معضلة لا حل لها.

والحال العامة، التي قد بلغت من غير شك مرحلة المرض، لا يمكن الخروج منها ببعض مساحيق العصرنة التي نعمل على إخفاء الواقع المرير بها؛ لأن هذا يشبه إغفال المرض العقلي لدى الفرد، إن رأيناه يتقن عمله مثلا، أو يعيش حياة أسرية وفق العادة، من حيث الظاهر. وإن كان المرض العقلي لدى الفرد، قد يبلغ من التعقيد، ما يخفى عن أعين المعالجين أحيانا؛ فإن المرض الجمعي أشد خفاء، لكون المعالجين أنفسهم في الغالب، لا يخرجون عن السمات العامة للمجتمع المريض.

إن مكانة العقل من الدين، كانت منذ عصر تابعي التابعين وإلى الآن محور الأزمة، على ما حفها من خلاف بين علماء الأمة ومفكريها. وإن ميل البعض إلى العقل، وجعله حكما على النقل، كما فعل الفلاسفة الإسلاميون من أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد؛ وميل أهل السلوك من الصوفية الذين على رأسهم الشيخ محيي الدين ابن العربي رضي الله عنه، إلى التلقي، لم يُجْد الناظرين إلى الأمر من الدارسين المتأخرين؛ لأنهم ظنوا الأمر عائدا إلى اختلاف داخل الدين، بما قد يعني أن كل واحد من الفريقين، قد اختار ما يجوز له اختياره؛ من دون إدراك لحقيقة الدين نفسها. والحقيقة هي أن من تفلسفوا من داخل الدين، قد أدخلوا عليه ما ليس منه؛ لظنهم أن الدين طريق إلى الجنة، إذا عمل العبد الحسنات الجالبة للأجر؛ وليس طريقا إلى تحصيل المعرفة، التي توهموا أنها عقلية ولا بد. ولو أنهم رجعوا إلى القرآن، لوجدوا الله تعالى يقول: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} [الحديد: 19]؛ فدل سبحانه على أن العبد يحصل بالتدين الأجر الذي به ينال الجنة، ويحصل النور الذي يعرّفه بربه (الحقيقة). وإن هذا القصور في إدراك الدين، الذي وقع فيه الفقهاء منذ القرن الأول، دليل على كون عقولهم لم تتجاوز الفكر الفقهي، الذي هو مجاور في المرتبة للعقل المعاشي، الذي يعود إلى المقلدين من العامة.

إن الدين منظومة معرفية قائمة بذاتها؛ وإن كل من يظن أن العبد في تدينه محتاج إلى إعمال عقله، بما يجاوز القدر المباح للفقهاء في عملية استنباط الأحكام، أو يتعدى الضروري من الفكر لغاية الاعتبار، فإنه يكون جاهلا بحقيقة الدين، غير مدرك لكماله الذي ذكره الله في قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]. والكامل هو من استغنى عن التكميل من خارجه؛ وإلا فلا. وعلى هذا، فإن كل تفكر فوق ما أباح الشارع، هو نقص في التدين، وإن كانت صورته الزيادة.

إن الدين يعمل على ترقية العقل، من العقل الحسي المعاشي، والعقل المفكر في مرتبة الإسلام، إلى العقل المعنوي الإيماني، الذي يقابل العقل المعنوي الفلسفي؛ ثم إلى العقل الروحاني العرفاني، وبعده إلى العقل الرباني الكامل. والعقل الفلسفي الذي لا يجاوز العقل المعنوي، هو أقل درجة من العقل الإيماني؛ لأن الأول لا يتمكن من الخروج عن ظلمة الأكوان، في حين أن الثاني متقرب إلى رب الكون بالتنوّر (تحصيل النور). وأما العقل الروحاني النوراني، فيقابله -ولا يدانيه- العقل الروحاني الظلماني، الذي يكون لأصحاب الرياضات، ممن يستمدون من أرواح الكواكب. وأما العقل الرباني، فلا مقابل له، لأنه حاكم على جميع العقول.

ولما دخلت الأيديولوجيا الكفرية، من اشتراكية في وقتها، إلى ليبرالية، فإن العقل العربي زاد بها تشتتا وبعدا عن الصراط المستقيم. وأصبح التقسيم الجديد منضافا إلى التقسيم الفقهي العقدي الأول. وزاد الأمر استفحالا، عندما دخلت الأيديولوجيا السياسية التي للحركات الإسلامية، والتي أتت على ما كان متبقيا من عقل. كل هذا والناس غافلون عن حقيقة الدين المغني عن كل ما ذُكر. وإذا أردنا أن نضرب مثلا للدين مع التفكر الزائد، فإننا سنجعل الدين مشفى تخصصيا مجهزا بأحدث الوسائل؛ والعقل كالتطبيب البدائي الذي يمارسه الناس في الأماكن النائية للضرورة؛ والعبد الذي يتفلسف داخل الدين، هو كمن دخل إلى المشفى العصري، لكنه مواصل للتطبُّب بما اعتاده في بيته. فهو من جهة قد دخل المشفى، لكنه من الجهة الثانية لم يخضع للعلاج الخاص فيه. فإن هو لم يصح، فعليه أن يعلم أنه ما تطبب حقيقة؛ لأنه ما فارق ما كان عليه قبل دخوله. والمفكرون المسلمون عندما لم يصلوا إلى المعرفة الحق، فإن عليهم أن يعلموا أنهم ما تديّنوا بالطريقة السليمة التي تبلغهم ذلك.

إن الخلط بين ما للعقل من أصول في حال التجرُّد، وما له حال التدين، ما زال مستمرا إلى الآن في جامعاتنا ومجتمعاتنا. وما دام الجهل يُدرس على أنه علم، فلا يُرجى أن تتبدل الحال من اعتقال للعقل، إلى انطلاق تام نحو معرفة يقينية تنفع أصحابها في الدنيا والآخرة.

إن العقل الكامل الذي هو أرقى العقول، لا يبلغ مرتبة الكمال، حتى يخرج من كل الأقفاص التي أُدخلها بفعل التربية الاجتماعية، أو الدينية التقليدية، التي تقطعه عن غايته منذ بداية الطريق. ومن لا يتبيّن الغاية والطريق إليها، فلا مطمع له في الوصول البتة...






رد مع اقتباس
  #24  
قديم 26-06-2018, 05:27 AM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -23-

نشرت بجريدة : "الأخبار" المغربية، العدد : 1703
بتاريخ : الخميس 15 رمضان 1439 / 31 ماي 2018

معرفة الله


إن معرفة الله هي محور كل المعقولات وغاية كل العقول، مع أنها لا تُنال بالعقل. وقد جهل هذا الأصل كثير من المسلمين، بسبب انقطاعهم عن النور النبوي. فلما انقطعوا عن هذا النور، لم يلح لهم إلا نور العقل لديهم، فظنوه مجديا. ولم يعلموا أن العقل لا يجول إلا فيما هو من جنسه؛ ويبقى الله تعالى أعز من أن تهجم عليه العقول، أو يحل حال بحماه من غير إذن وصول.

سمعنا بعضا ممن يزعمون أنهم مفكرون، ينسبون العقل لله، فيقولون "عقل الله"؛ وما علموا أن العقل مخلوق لله، تعالى الله عما يقولون. هذا يدل على أن الناس قد ابتعدوا كثيرا عن الأصل، وصاروا ينزلقون نحو نوع من المعرفة يكاد يكون وثنية معنوية (الأصنام فيها متخيلة). ولسنا نعني بالوثنية، إلا قياس ما يتعلق بالله، على ما يعقله الإنسان من نفسه؛ وهذا عكس ما هو الأمر عليه. عندما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن خلق الله الإنسان على الصورة الإلهية بقوله: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»[1]، فإنما أراد أن ينبهنا إلى الأصل الذي إن علمناه، علمنا الإنسان؛ لا أن نقيس الأصل على الفرع، بحسب ما تعطيه العقول. وقد فعل هذا كثير من أهل العقائد، فوقعوا في ضلالات، حالت دونهم وإدراك الحقيقة.

إن العامة من أهل الإسلام، لا ينبغي لهم الخوض في غوامض المعرفة، لأنها ليست من طورهم. وإن توهُّم الدارسين إمكان تحصيل المعرفة الإلهية من طريق العقل، كسائر ما يُنال من هذا الطريق، من علوم دينية أو عقلية، هو أساس كل البلاء الذي تتخبط فيه الأمة منذ قرون. وفي المقابل، فإن تنكر علماء الدين والعامة من بعدهم، لأهل الله من أصحاب العقول الربانية الكاملة، هو انقطاع عن الله، وإن زُعم غير ذلك. والخواتيم تدل على حال المقدمات؛ والأمر لا يحتاج كثير كلام. أما العقول المعاشية أو شبه المفكرة، فإنها لا تتمكن من الخروج عن الخصوصيات الزمنية المرحلية؛ لذلك فهي لا تعلم النقص الذي هي عليه. نعني أن الأمور تُدرك بالمقارنة التي تتطلب النظر إلى مختلف الأزمنة على صعيد واحد، كما سبق أن أوضحنا في الفصول السابقة.

إن الله قد تعرف لعباده في كتابه؛ ولكن الكتاب لا تُدرك معانيه، إلا بشروط وآداب، وبإذن إلهي يتيح للعبد إدراك المعنى المراد. وكل من يفرق بين الكتاب ومُنزّله، فهو جاهل بحقيقة الأمر. وأما المطابقة بين النسخ القرآنية المعلومة والمسطورة والمخلوقة، فإنها لا تكون إلا لأفراد. ولو عُرضت مقولات المتكلمين من جميع الفرق، على العارفين الذين يأخذون علمهم عن الله، لظهر أن أغلبها لا يعكس إلا المرتبة العقلية التي لصاحبها، والتي قد تكون شركية؛ مما يخجل صاحبه أن يقابل به ربه يوم العرض.

إن معرفة الله تفك الأقفال التي على القلوب، لتتمكن هذه من مطالعة الأسرار التي في الخلق. وعلى هذا، فإن العالَم لا يُعلم على التحقيق إلا بعد معرفة الله. وكل من يظن أنه يحصل علما بالعالم قبل ذلك، فإنما هو يعلم ظاهرا من الأمر لا عينه. وإن كانت العقول لا تتمكن من مجاوزة ما هي عليه، وتظن أن معرفة حقيقة العالم، لا تكون إلا من جنس ما لديها، فإنما ذلك لعزة هذا العلم. وليبق "العالمون" على ما يتوهمون، إن هم أرادوا ذلك؛ لأن انكشاف المراتب لا بد أنه حاصل بعد الموت. ومن يهن عليه أمر نفسه، حتى يغامر بها استنادا إلى ظن، فلا أدل على نقص عقله من هذا.

إن كل أهل عقيدة من المتألهين ومن غير المتألهين، هم على معرفة بربهم بحسب مرتبة إدراكهم. وإن العقائد الباطلة التي لا تنفع أصحابها في الآخرة، هي نتيجة ما لاح لأصحابها من ورائها. فهم مدركون لظاهر العقيدة، محجوبون عن حقيقتها. وهذا يعني أن الحكم ببطلان عقيدة ما، هو عائد إلى المعتقِد لا إلى العقيدة. وهذا أمر قد أغفله المتكلمون في العقائد، فجهلوا العقائد من جهة باطنها.

إن ما فتح على الأمة باب الاختلاف، هو الإخلال بالترتيب العقلي لديها. وإن الفقهاء الذين لا تُجاوز مرتبتهم العقل المفكر، لم يكونوا يعلمون أنهم بقيادتهم (توجيههم) للأمة، وبحرصهم على الفوز بالحظوة لديها، في قصر نظر جلي، سيعملون على تكسير مجاذيفها وقطع طريقها للظفر بكل ثمار الدين، التي تكون منها العزة والقوة والمنعة والعلم الصحيح والترقي الميسَّر، وغير ذلك مما هو معلوم من القرآن والسنة، ومن سيرة المؤمنين السابقين.

لم يكن الفقهاء الأولون يعلمون أن الأمور ستنعكس إلى هذا الحد، الذي صار معه الدين وسيلة إلى الدنيا، وصار أهله خدما لأهل الفسق والكفر من غير أدنى حرج. ولم يكن لهم من العلم أو من العقل (الفكر) ما يجعلهم يربطون النتائج بالأسباب؛ لأنهم قد انحدروا إلى عقل مفكك، لا يرقى إلى أن يكون عقلا معاشيا سليما، فضلا عن أن يكون غير ذلك.

لا شك أن معرفة الله، تفتح آفاقا في معرفة أسرار الدين وأسرار التشريع، تتجاوز منتهى ما يبلغه العقل الفقهي. وهذا يعني -كما هو الشأن فيما يتعلق بالعالم- أن الفقهاء عند استنباطهم للأحكام، لا يعلمون منها إلا ظاهرها، كما لا يعلم مَن يظن أنه يعلم العالم، من العالم إلا ظاهره. إن العقل الفقهي، لا ينبغي أن ينقطع عن العقل الرباني، إن كان يريد ضمان السداد في معرفة الأحكام. وإن عدم تعريف المسلمين، في أثناء دراستهم للعلوم الدينية، بمراتب العقول، وبخصائصها في كل مرتبة، هو خيانة للدين وللأمة من غير شك. وإن مواصلة الفقهاء المتأخرين، التعمية لمرتبة الربانيين، لا تجعلهم في النهاية، إلا ضمن صف أعداء الدين؛ وإن زعموا غير ذلك. هذا، لأن الدين لا يتمكن أحد من النيل منه من خارجه؛ وإن كل الأمم التي سبقتنا، والتي خرجت عن الصراط المستقيم، لم يكن ذلك منها إلا بعد أن أضلها علماؤها وشرعوا لها من الشرائع ما لم يأذن به الله. إن اتباع أمتنا لسَنن من قبلها، كما أُخبرنا، قد تم في زماننا وبلغ الغاية في المطابقة. ومن أراد أن يتبيّنه من القرآن، فلينزل آيات أهل الكتاب علينا واحدة واحدة، وليتتبع تفاصيل ذلك؛ فإنه سيجده كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ!»[2].


[1] . متفق عليه، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[2] . متفق عليه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.







..........






رد مع اقتباس
  #25  
قديم 17-08-2018, 09:39 PM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -24-

نشرت بجريدة : "الأخبار" المغربية، العدد : 1704
بتاريخ : الجمعة 16 رمضان 1439 / 01 يونيو 2018

الإحاطة الإلهية

عندما يعتقد الناس أن الإيمان متعلق بـ "ما وراء الطبيعة"، يتوهمون أن الله من ذلك العالم، مباين لهذا؛ وهو سبحانه خالق العوالم. وعندما يصنف العالم إلى طبيعة وما وراءها، بتعبير قدماء اليونان، فينبغي تمحيص هذا القول، على نور الوحي، الذي هو إعلام من الله نفسه سبحانه. وإن عدنا إلى تصنيف العالم، فإننا نجده عندنا شهادة وغيبا. والله سبحانه محيط بهما، ولا يحيط به هو شيء. ومن اعتقد أن الله وراء الشهادة (غير مشهود)، أو اعتقد أنه وراء الطبيعة، فإنه يكون قد حيّز؛ وهذا شرك جلي.

يقول الله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]. الضمير هو، يعود إلى الذات. وأما الأول والآخر والظاهر والباطن، فهي اعتبارات نسبية، تعني أن الله محيط بكل شيء من جميع الجهات. وإذا كان الله هو الأول والآخر، فهذا يعني أن الفاصل بينهما خط وهمي اعتباري غير وجودي. وليس إلا العالم، الذي لم يخرج عن إمكانه قط. والأمر صحيح أيضا، فيما يتعلق بالظاهر والباطن. وهكذا، فإن الله أظهرُ من العالم، وأقربُ من الشهادة؛ وهو وراءَ العالم وأبطنُ من الغيب. وهذه الإحاطة الذاتية، لا تتمكن العقول من إدراكها وتعقلها؛ لأن العقول نفسها داخلة في هذه الإحاطة. والعقل لا يُدرك إلا ما يحيط هو به. فما أعجز العقل عن معرفة الله!... وكل من يروم معرفة الله المعرفة الحق بعقله، فليعلم أنه لا يحوز حتى مقدمات هذه المعرفة، والتي منها معرفة حقيقة العقل ذاته.

إن العقول المعاشية والمفكرة، لا يجوز لها (ولا يصح) أن تبحث المعارف، بما تعلمه من قياسات وبناءات نسقية، وإن كانت تنطلق من الوحي. لأن مرتبة هذه العقول، تعطيها أن تؤمن بما أخبر به الوحي، لا أن تعلمه. وعلى هذا، فإن جل العقائد التي ظن المتكلمون والمتفلسفون أنهم استنبطوها من الوحي، ليست إلا تخرصات من قِبلهم، لا تغني في عالم المعارف شيئا. والأغرب من هذا، هو أن العقائد الصائبة من حيث ظاهر اللفظ، تفهم منها العقول ما يخالف حقيقة ما يدل عليه اللفظ ولا بد. كل هذا، لأن المعرفة الإلهية هي من خارج العقل في الأصل. وأما عقول العارفين الربانية، فإن علمها بالحقيقة ليس منها. وإدراك هذا الصنف، قد يشتبه على من لا علم له، لإلفه بإحاطة العقول بمُدركاتها في العادة؛ والله يحيط ولا يُحاط به، كما أسلفنا. ولهذا السبب، فإن معرفة العارفين نفسها، من أعجب العجب...

إن كل عقل من كل مرتبة، له نظر إلى الحقيقة؛ ولكن العقول الكاملة وحدها، هي من تحوز معرفة الشمول، التي يشير إليها قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]. والمشرق والمغرب في عالم المعاني، حالان للعقول. فأصحاب المشرق هم العارفون، وأصحاب المغرب هم المحجوبون من المؤمنين ومن الكافرين. ووجه الله المشهود لكل فرد من أهل المشرق وأهل المغرب، هو ما يشهده كل واحد، من غير استثناء أحد. وهذا يعني أن العقائد من جهة مناطاتها الشهودية واحدية الحقيقة؛ ولكنها من جهة التعبير عنها من طرف المشاهدين تختلف، مِن تلك الموافِقة لما هو الأمر عليه وجاء به الوحي، إلى ما يخالف ذلك ويدخل في البطلان. وهذا العلم المتعلق بمعرفة الحق والباطل في العقائد، مع كون الوجود حقا لا يخالطه باطل، هو مخصوص بأهل الإطلاق وحدهم.

وبما أننا كنا قد دللنا في فصل سابق على ترتيب العقول، الذي لا بد من العمل عليه في الأمة، حتى تستقيم أمورها؛ فلا بد أيضا أن نبيّن ما يحدث عندما يؤول الأمر إلى العقول الدنيا. أولا، ينبغي أن نعلم أن موافقة الترتيب أو مخالفته، لا تغير من الحقيقة شيئا؛ لأن الأثر يعود على الناظر والعامل فحسب، لا على الحقيقة. وهذا المعنى هو ما أشار إليه قول الله في الحديث القدسي: «إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي.»[1].

إن من يزعمون أنهم حريصون على الشريعة، من أجل إيجاد مسوغات لآرائهم وأفعالهم، التي قد تؤذيهم عواقبها في دنياهم أو في آخرتهم، لا يتنبهون إلى أن إدراك الشريعة، يختلف بحسب مرتبة العقل؛ ولا يعلمون أن الشريعة لو كانت شيئا جامدا لما وقع هذا الاختلاف بين أهلها منذ القرن الأول. والشريعة ليست قانونا منقطعا عن أصله، ليعمل بها العاملون، ويضمنون موافقة الصواب مع ذلك دائما؛ بل هي منوطة في كل لحظة بواضعها سبحانه، الذي ينبغي الرجوع إليه في كل تفاصيلها لاستمداد السداد والتوفيق. ولو كانت الشريعة جامدة آلية، لانعدم معها معنى التوفيق الإلهي من أفعال العباد، كما لا يخفى.

ولقد سبق أن كتبنا في غير هذا الموضع، أن الشريعة المحمدية مطلقة، بخلاف كل الشرائع التي قبلها. ومعنى إطلاقها، لا يختلف عن معنى إطلاق القرآن نفسه الذي ذكرناه سابقا، والذي هو الإطلاق المعنوي في صورة التقييد اللفظي. إن الدين ليس مذهبا فكريا كما يتوهم جل القاصرين؛ وإنما هو منظومة معرفية متكاملة، مطابقة للحقيقة التي لا يتمكن العقل من إدراكها، إلا باتباع سبيل مخصوص في التدين. ولسنا نعني إلا التدين كما هو في أصله، وعن طريق الاستمداد من النبوة من غير ظن ولا شبهة.

إن الأمة اليوم في معظمها، مقطوعة عن نور النبوة؛ لأن الفقهاء من أصحاب العقول المعاشية، أوهموها أن الدين هو ما يعلمون. والعوام من المسلمين استطابوا ذلك، لرغبتهم في اتباع هواهم والانغماس في الدنيا كما يشتهون. ولكن النتيجة العامة التي لا يختلف عليها اثنان، كانت ضعفا عاما، نزل بالأمة في مجالات كثيرة، إلى أسفل من الكافرين. والإصرار من البعض على أن الغلبة منوطة بتحقيق السبق التقاني وحده، هو فرار من مواجهة الحقيقة وإطالة في عمر الأزمة فحسب.

نحن لا نريد أن ندفع بالناس في اتجاه مخصوص، عن طريق التقديم له نظريا، كما قد يبدو؛ ولكننا نطمع في أن يتحمل أفراد الأمة تبعات اختياراتهم عن وعي ومسؤولية. إن المرء الحر، هو من يعلم وجهته من البداية؛ وهو من يتمكن من تغيير توجهه متى بدا له أن الأمر يتطلب ذلك. وإن الأمّة الحرة، هي التي لا تتقيد إلا بما قيدها الله، وبالقدر الذي شُرع؛ من دون أن يتحول ذلك كله إلى حبال تمنع حركتها أو تشدها إلى الخلف، كما هو الأمر الآن...


[1] . أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه.






رد مع اقتباس
  #26  
قديم 04-09-2018, 09:48 AM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -25-

العلم بالآخرة

إن عقول أهل الدنيا من المعاشيين والمفكرين، لا تعلم إلا ظاهرا منها، كما سبق أن ذكرنا؛ ولكنها عند علمها بهذا الظاهر، فإنها تتوهم أنها تعلم الوجود بما هو وجود. والحقيقة هي أن الدنيا مرتبة "دنيا" من مراتب الوجود فحسب. وحتى الذين يتمسكون بالعلم (المتعلق بالمادة) من أهل الكفر، فإنهم لا يعلمون كل العلم؛ بل يكادون لا يعلمون شيئا. وهكذا، فإن الجهل مصاحب لهم من أول قدم. ومن أراد أن يتبين ما نقول، فليقس عالم الإنس بعالم الجن؛ ولينظر هل له من العلم بعالم الجن، مثل ما له بعالم الإنس؟ مع أن عالم الجن مادي، وهو مشارك لعالم الإنس في المكان (على العموم) والزمان. فإن كان يجهل عالما بهذا القرب منه، فما الظن بما هو غيب؟!...

إن عالم الدنيا، له قواعد فيزيائية وكيميائية خاصة به. ومن حصل قسطا من علوم المادة في الدنيا، فهذا لا يعني أنه قد علم المادة كلها، وعلم فيزياءها وكيمياءها حيث كانت؛ لأن القوانين تتغير بتغير العوالم. وعالم الآخرة لا يخلو من مادة، ومع ذلك، فلا يشك أحد في أنه مخالف للدنيا. والمخالفة تقتضي مغايرة القوانين هناك؛ الفيزيائية وغيرها... وإذا كان الأمر هكذا، فإن العلوم المادية في الدنيا، لن تنفع في الآخرة؛ وإنما نفعها يكون مقصورا على الدنيا وحدها. والمكوث في الدنيا، يقارب الصفر، بالمقارنة إلى الأبد. فما قيمة الدنيا بعد هذا!... يقول الله تعالى: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة: 38].

وأما عالم البرزخ، حيث يكون الموتى في انتظار قيام القيامة، فإنه أقرب إلى أهل الدنيا من الآخرة؛ ومع ذلك، فإنهم لا يكادون يعلمون عنه شيئا. وجل أهل الدنيا، ينظرون إلى أهل البرزخ وكأنهم في العدم. والحقيقة هي أنهم في عالم مختلف فحسب؛ حيث يوجد الأناسي والجن، من بدء الخليقة وإلى الآن؛ الذين مروا بالدنيا، وانقضى أجلهم فيها. وهذه الخلائق تعلم عالمها، وتشهد من أنفسها ومن غيرها تغيّر الأحوال، كما يشهد أهل الدنيا ذلك فيما بينهم. فإن كان حال الناس مع البرزخ الجهل، فما الحال مع الآخرة؟!...

وأما النفس، فالناس يجهلونها بدءا من عالم الدنيا. ولا أجهل من أولئك الماديين، الذين لا يلتفتون إلى أنفسهم؛ حتى يعلموا أنها من عالم غير عالم المادة (الطبيعة). وإن صفة العقل التي يزعمون أنهم أحق بها من سواهم، لا يعلمون أنها عائدة إلى النفس لا إلى المادة؛ وإن كانت المادة (الدماغ) واسطة بينها وبين إدراكات مخصوصة. إن حال الماديين في علمهم، لا يشهد إلا بعمى قلوبهم (عقولهم). فهم كالأكمه الذي يسمع عن الإبصار، لكنه لا يتمكن أبدا من تصوره...

إن ما يغيب عن العقول الدنيوية الظاهرية، هو أن المادة التي يتوهمون أنها الموثوقة وحدها، ليست إلا معاني ظهرت مكثفة في عالم الطبيعة، الذي هو أسفل السافلين. وإن الحقائق التي تعود إليها المظاهر المادية، ليست غير الحقائق التي تعود إليها المظاهر الروحانية. والحقائق، ليست إلا معاني ذاتية، ظهرت في كل عالم بما يناسبه فحسب. وكل من لا يعلم هذا، فإنه جاهل بما هو الأمر عليه. وكل توهم له بعلم يقيني (مادي)، فإنما هو علم جزئي ونسبي؛ بل إنه يقارب الصفر، بالنظر إلى العلم كله، كما ذكرنا. فأي علم يُزعم بعد هذا؟!...

إن العقول المؤمنة، بخلاف العقول الكافرة، يؤتيها الله نورا من عنده، به ترى الآخرة من وراء حجاب. وهذه الرؤية هي التي تمكنها من الإيمان بها. وأما تفاصيل الآخرة (بعضها)، فإن العقل لا يتوصل إليها إلا من الوحي الذي يُنزله الله من عنده على رسله. وبما أن الآخرة غير معلومة للعقول المؤمنة علم ذوق، فإن الله قد ذكر من أحوالها، ما له نظير في الدنيا، حتى تقيس العقول غائبها على المشهود. وإن العقول إذا سمعت من وصف الآخرة، ما يشبه في مفرداته أشياء معلومة من الدنيا؛ فإنها تتصور الآخرة في خيالها، لتستخلص منها العبرة المرادة؛ وإن كانت الآخرة في حقيقتها على غير المتصوَّر حتما. ذلك لأن الآخرة مستقلة عن الدنيا، ولأن الله يُنشئ الآخرة إنشاء آخر مغايرا. ولو أن الدنيا كانت تشبه الآخرة ما دل الله على إعادة الإنشاء، كما في قوله سبحانه: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت: 20]. فبدء الخلق، وإعادة الإنشاء، ليسا على هيئة واحدة؛ والسبب هو أن الله لا تكرار في أفعاله، لأن السعة (من اسمه تعالى: الواسع) الإلهية تأبى ذلك.

ورغم أن الآخرة مجهولة الآن من جهة الذوق الحسي، إلا أن من ينظر إلى الدنيا نظر اعتبار، فإنه يكاد يراها من خلفها؛ مكملة لنقصانها، ومتممة لأنساقها. وهذا لأن الدنيا مقدمة للآخرة التي هي الخاتمة والنهاية. وأحوال الدنيا التي هي من صنف البلاء (الامتحان)، لا تختلف عن أحوال الجزاء في الآخرة، إلا من جهة الإنشاء الجديد؛ أما من جهة المناسبة والمنافرة للنفس، فإنها على حقيقة واحدة. نعني أن ما تستعذبه النفس من ملاذ في الدنيا، تستعذبه أيضا في الآخرة؛ وإن كانت الصورة غير الصورة. وهذا يشبه من أحد الوجوه، ما يقع للنائم في الرؤيا، مقارنة مع ما يقع له في اليقظة. فإنه في الغالب إن رأى ما يفر منه في اليقظة، يفر منه في الرؤيا أيضا؛ والعكس بالعكس.

ولقد دل الله على مشابهة عالم الرؤيا للآخرة في قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر: 42]. فتَوَفي الله للأنفس حين النوم، له شبه بالتوفي الموتي؛ بل هو عينه. وما يراه النائم في رؤياه، لا يختلف عما تكون عليه الأنفس في البرزخ، إلا بما يكون النوم نوما والبرزخ برزخا. وهذا باب من الأمثال التي يخلق الله الخلق عليها، كما يشاء سبحانه؛ إما في العالم نفسه كالدنيا، أو بين العوالم، كما هو الأمر هنا.




--------------------





رد مع اقتباس
  #27  
قديم 24-09-2018, 11:27 AM
البينة البينة غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2018
رقـم العضـويـة : 43988
العمر: 29
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 28
أعجبني: 0
تلقى إعجاب مرة واحدة في مشاركة واحدة
افتراضي

العقل العربي ومآلاته -26-

العقلانية الزائفة

إن العقلانية المصدّرة إلى شعوبنا، ليست عقلانية حقا؛ وإنما هي فوضى عقلية، تتخفى خلف توظيف جزئي للعقل، يجعل من لا علم له، يتوهم اعتماد العقل في كل أموره. وهذا أسلوب تلبيسي تعتمده الشياطين منذ فجر التاريخ. إن العقلانية التي لا تتجاوز ظاهر الدنيا، لا يمكن أن تُعتبر إلا إن كان المرء غير مؤمن بالآخرة، ويرى الموت نهاية يعود معها الأموات إلى العدم المحض. وهذه المقدمة غير متيقنة، ما دام أصحابها لا يعلمون حقيقة الموت نفسه، فضلا عن أن يكون لهم علم بما بعده...

إن الموت لدى الماديين، لا يعدو أن يكون نهاية صلاحية البدن، كما هو شأن الآلات التي تُهمل عند تلف أجزائها، وإصابتها بعطل غير قابل للإصلاح. والحقيقة أن البشر ليسوا آلات فحسب، حتى ينظر إليهم كما يُنظر إليها. والعقل الذي يعتمده الماديون زعما، هو أكبر فارق بين البشري والآلة. فهل العقل لدى الإنسان هو جزء من الآلة، أم هو شيء غيرها؟... إن من يزعم أن العقل هو الدماغ ذاته، حتى إذا مات الدماغ مات العقل معه، لا يعلم من حقيقة العقل شيئا؛ لأن العقل من وراء الدماغ، يُدبر به البدن فحسب. وعند موت الدماغ، فإن العقل يفقد وسيلة تدبير البدن فحسب؛ وهذا هو الموت العام للبدن. أما العقل بما هو عقل، فلا يموت؛ وإنما ينتقل إلى عالم (بُعد) آخر، تسكنه العقول (النفوس) التي فارقت أبدانها. وهذه العقول، ينطبع فيها كل ما اكتسبته بواسطة أبدانها في سابق حياتها؛ إلى الحد الذي تبقى معها صورتها التي كانت تُعرف بها في عالم الدنيا؛ وتبقى معها العلوم الذوقية الحسية التي نالتها عبر الحواس؛ وتستصحب أيضا معقولاتها التي كانت قد توصلت إليها بعملية التفكر أو عن طريق الإلقاء (الكشف). كل هذا، في انتظار حلول الآخرة، بعد فناء الدنيا الموعود.

وإذا نظرنا إلى العقول السقيمة التي صار الناس يقلدونها من غير تمحيص، فإننا سنجدها تعمل للدنيا في جميع أحوالها، وكأنها لن تغادرها يوما؛ وهذا خلل في التصور بيّن. بل الأفدح من هذا، أننا نجدها تعمل للدنيا، باعتبارها العالم الأوحد؛ وكأن الموتى سيعودون يوما إليها!... وهذا التصور، هو الذي يجعل العقول الضعيفة، تحتفي احتفاء زائدا بالإنجازات التقانية، التي تتيسر معها الحياة الدنيا، بحسب إدراكها الظاهري. وفي الأثناء التي يُحتفى فيها بإنجاز ما، على يد عالم ما من علماء الكونيات، لا يُنظر إلى حال هذا العالم عند مغادرته الدنيا. ولا يؤبه لرأيه فيما أنجزه، بعد مغادرته؛ وكأنه قد أُسقطت كل حقوقه، والتي منها اعتبار مآله.

ولو أننا نظرنا إلى أديسن -مثلا- وإلى إنجازاته العديدة، التي قلبت حياة الناس وغيرتها إلى ما بتنا نعرفه اليوم؛ وأردنا أن نعلم أثر إنجازاته على عالمه حيث هو، لوجدناه صفرا؛ لأن أديسن لا يستنير في عالم البرزخ بالكهرباء المعلومة لنا -مثلا-، ولا يكالم الناس بالهاتف... والسبب هو أن الفيزياء البرزخية مخالفة لفيزياء الدنيا، كما ذكرنا في فصول سابقة. والاستنارة في البرزخ، تكون بأمور أخرى، هي الإيمان والأعمال الصالحة. لأن عالم البرزخ، يُطالع الناسُ فيه أحوال آخرتهم، التي تكون جزاء لما كانوا عليه في دنياهم. والعقل الذي لا يعتبر إلا الدنيا، ولا تكون فيه أقدار الناس إلا وفق إنجازاتهم الظاهرية فيها، يكون منكوسا، ينظر إلى عكس الجهة التي هو راحل إليها. وعقل هذه صفته، لا يُعتد به في الحكم على الأمور؛ خصوصا فيما يتعلق بالمعقولات وترتيبها بحسب الأهمية.

والعرب المسلمون عندما صاروا يسيرون خلف العقل الغربي الدنيوي الكافر، قد ارتدوا ردة عقلية عن المكانة التي كانت لهم، وبوأهم إياها نور الوحي ومدد النبوة. والأمة العربية وإن لم تكفر كفرا تاما بالمعنى الشرعي، إلا أنها قد تقهقرت عقليا، إلى ما دون العقل المفكر على الأقل. وجل مفكريها الآن، ليسوا إلا ببغاوات، يرددون ما سبق للعقل الغربي أن خطه لهم؛ وكأن العقل الغربي قد صار رسولا من الله إليهم!...

إن العقل العربي في الحقيقة، لا يطلب علم الحقيقة لدى العقل الغربي، كما قد يوهم نفسه أو يوهم غيره؛ وإنما هو بفعل الهزيمة المعرفية التي يرزح تحتها، يريد أن يرضي العقل الغربي عنه ولو جزئيا؛ ما دام لا يتمكن من منازلته معرفيا. فهو كالمواطن الجبان، الذي يُرضي حاكمه، لا لأنه على حق، وإنما لأنه يخاف بطشه فحسب.

هذه المعاملة العقلية الزائفة من العقل العربي، لا يعلم المخرج منها أحد، بعد أن دخلها الجميع. ولو أن العربي أعمل عقله، فيما ينبغي وبالطريقة التي تنبغي، لما وصل إلى ما وصل إليه. وإنّ جعل الدين مخالفا للعقل، بحيث صار التدين الحق، يُستر في مجتمعاتنا تبعا لذلك، كما تُستر العورات، ليس من العقلانية في شيء؛ بل هو ضعف في الإيمان وفي العقل معا. والوضعية الناشئة عن كل ذلك، هي وضعية اصطناعية شاذة، لا محل لها في مجتمع سليم.

ونحن عندما نعلن أن العقل لا يُخالف الدين، لا نعيد مقولات مضت سالفا في مجتمعاتنا، زعمت أن لا تعارض بين العقل والنقل؛ بل نقول هذا، لأن العقل لا صلاحية له في الحكم على الدين. وكيف يكون العقل حاكما على الدين، وهو من خارجه؟!... بل إن العقل إن كان سليما، فحاله مع الدين تكون القبول وتقييم النتائج بعد التجربة فحسب. وأما الحكم عليه، كما فعل كثير من الغربيين (ولهم شبه عذر بجهلهم للدين الأصلي)، فهو دليل على ضعف العقل فحسب. وتقليد العرب للغربين في هذا، هو دليل على ضعف أشد، من دون شك. وهذا الذي نقوله، لا يعني أن الدين غير عقلاني، لأن العقل يعقل داخل الدين ما يجده ولا بد؛ لكن العقل هنا يكتسب مؤهلات مخصوصة، لا تكون له حال تجرده. وهذا التمييز ضروري، لئلا يُظلم العقل أو يظلم الدين.








..................





رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الشبكة الليبرالية الحّرة هي شبكة ذات إدارة من مختلف الدول والأقطار بالعالم، وهي لا تمثل أو تتبع بأي شكل من الأشكال أي دولة عربية أو غير عربية، وعليه فإننا نؤكد أن جميع المشاركات تعبّر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الإدارة.
الساعة الآن 10:49 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd