العودة   الشبكة الليبرالية الحرة > الأقسام الأدبيّة والثقافية والاجتماعية > منتدى رواق الكتب

الملاحظات

قائمة الأعضاء المشار إليهم في هذا الموضوع:

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 21-01-2021, 07:31 AM
mohammad alkazimi mohammad alkazimi غير متواجد حالياً
عضو الشبكة الليبرالية
 
تاريخ التسجيل: Jun 2020
رقـم العضـويـة : 46989
العمر: 56
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 75
أعجبني: 0
تلقى إعجاب 2 مرة في 2 مشاركة
منشن: 0 مشاركة
الإشارات: 0 موضوع
Icon1 سر الخلود والفناء في سورة الرحمن

سر الخلود والفناء في سورة الرحمن

نواصل الدراسة بين تفسير وشرح ما تيسر من سورة الرحمن عروس القرآن العظيم.
إن المتتبع للفصول السابقة من أبحاث ودراسات السر الأعظم والتي نحن بصددها الآن إنما يُلاحظ المنهجية في تقديم المعلومات، ويُلاحظ كذلك وجود دقة في المعطيات عند طرح الشروح والتفاسير الخاصة بالآيات، ليدرك بعد حين أن الهدف من وراء ذلك هو دحض أي نوع من الشك أو التساؤل الغير مبرر كذلك مواجهة سلبية التفكير عند المعاندين والمعارضين لموضوع السر الأعظم من المُتابعينوبغض النظر عن أسبابهِم ودوافعهُم.
إن المنهج المطروح هُنا من شأنهِ أن يعطي مواضيع البحث والدراسة في هذا الجزء وهو الجزء الأول من كتاب السر العظم أو سر الأسرار تلك المصداقية الحقيقية للذين يرغبون بصدق وأمانة استقصاء الحقيقة والاستفادة من علم الله الخالق جلَّ عُلاه، ومن المفاهيم المنتقاة في سُنة المُصطفى الكريم عليه الصلاة والسلام.
فالعلم الذي وهبهُ وعلَّمهُ الرحمن للإنسان، لهو سلاح عظيم يمكن أن يتسلح به البشر أجمعين في مواجهة من يتحداهم من الجان ومن يعاونهُم من الإنس بل ومن يقف خلفهُم ليدعمهُم من المخلوقات المشككة في أهلية وقدرة الإنسان على الحُكم والإدارة وتولي شؤون مخلوقات الله أجمعين كما أراد الرحمن وشاء.
إن أعداء البشر ومن يحرصون على تدميرهم، هُم الكافرون بأنعُم الله والمُشركون بهِ، أولهُم الملعونين من الجان وعلى رأسهِم زعيمهُم في الكُفر وهو الشيطان عليه اللعنة وعلى أتباعه ومن والاه من الإنس والجان، حيث نُلاحظ هُنا وجود بعض أتباع الشيطان اللعين من خونة جنسهُم وهُم من معشر الإنس والذين تميَّزوا وأبدعوا في محاربتهِم وعدائِهم لأنفسهِم أي للإنسان، وهُم من استذلهُم الشيطان اللعين فأطاعوه، واستغلهم إبليس الملعون فساروا وراءه، فكانت النتيجة حرب الجنس الواحد أي حرب الإخوة من بني البشر حصرياً.
ولمواجهة أمر هؤلاء خونة جنسهِم يتطلب من المؤمنين بالله واليوم الآخر والمصدقون لأحقيتهُم بالخلافة، الصبر والعزم حتى يأتي نصر الله لهُم، كما جاء قولهُ في سورة الأعراف: قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129).
فعداوة إبليس اللعين ومن والاه من الإنس والجان للإنسان إنما بدأت عندما أمر الله خلقه سواء كانوا ملائكة أم غيرهُم بالسجود لذلك المخلوق الجديد وهو البشر، على أن يكون سجودهُم لهُ كسجودهِم لله، فكان إبليس اللعين أول العاصين لحكُم الله والمتمردين على أمرهِ سُبحانه، بعد ذلك كان هُناك اعتراض من الملائكة على خلافة الأرض عندما أقر الخالق سُبحانه أن يجعل في الأرض خليفة وهو الإنسان، بالتالي فالأنسان أمام تحديان.
التحدي الأول هو هزيمة الشيطان الذي اتخذ الإنسان عدواً وغريماً لهً لذلك كان لزاماً على الإنسان أن يتخذهُ عدوا لقولهِ تعالى في سورة فاطر: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6).
أما التحدي الثاني فهو إثبات جدارة الإنسان في خلافتهِ للأرض وذلك أمام المخلوقات جميعاً واولهُم الملائكة كي يتم قبولهُ من قبلهُم كخليفة الله عليهِم، فيكون حكم الإنسان لمخلوقات الله جميعاً إنما تمَّ بالتراضي والإقناع وليس بالجبروت والإلزام الأمر الذي كان بإمكان الخالق ان يفعله من دون أن يسمع لأي مخلوق كان وذلك لقولهِ تعالى في سورة الأنبياء: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23).
فهذان التحديان يجب على الإنسان أن يوجههما ويجتازهما بل وينجح بهِما لكونهِ ذلك المخلوق الذي تمَّ اختياره من قبل الرحمن الخالق الديَّان ليتولى منصب عظيم في الأكوان، وهو منصب خلافة الله في الأرض.
فهذهِ العداوة والتحدي من قبل الشيطان وأعوانهُ الملاعين إنما هي عداوة اليائسين من خلق الله أجمعين والمُدركين لمصيرهُم المشؤوم في جهنَّم وبئس المصير، كيف لا وهُم من تجرؤوا وتحدوا أمر الله العزيز القدير في حكمه ومشيئته، فهؤلاء مُدرِكون تماماً لخسارتهُم وهزيمتهُم أمام الحق المُبين ولو بعد حين.
أما بخصوص ما يحصل الآن على الأرض من صراعات ونزاعات ومآسي أو حروب وما إلى ذلك من فساد وسفك للدماء، إنما هو بسبب تدخل الشيطان اللعين في شأن الرحمن، وشركه الصريح عليه اللعنة بالله، وإعلانه لعنة الله عليه العصيان لأمر الخالق سُبحانه.
إذاً مهمة الإنسان المُقدَّسة كخليفة الله في الأرض، هي أن يكسر شوكة ذلك العصيان، ويُفشل كل مخططات الشيطان اللعين في فرض هيمنتهِ على بني الإنسان، لعل ذلك ينهي الحروب بين البشر والتي أشعلها الشيطان اللعين وليس الإنسان، لقولهِ تعالى في سورة النساء: لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119)، والدافع هُنا هو إصرار وإلحاح إبليس اللعين على إثبات وجهة نظره بكونهِ قادر بوسواسهِ على إخضاع الإنسان تحت أمرهِ شريطة أن يستمر حال هذا الإنسان كما هو الآن.
فلقد جاء في سورة الممتحنة قولهُ تعالى ونصيحته للإنسان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1).
لقد أدركت الملائكة بمعرفتها لبعض العلوم قُدرة إبليس اللعين المحدودة على استدراج وفتنة بل واستغباء البعض من معشر الإنسان، وبأنَّ أولياء إبليس اللعين من خونة الإنس سوف يعملون جاهدين على تدمير أنفسهِم أولاً ثم تدمير إخوتهُم في ألإنسانية من أجل أوهام ووعود لا قيمة لها ولا معنى لوجودها ، كما جاء في القرآن الكريم من سورة إبراهيم : وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22).
إنَّ الملعونين والمُغرَّر بهِم من بني الإنسان هُم من يُديرون الحروب بين بني البشر من أول الزمان، وهُم من يتزعمون الدعوى إلى الكُفر بالرحمن وإنكار وجود التمييُز في خلق الإنسان، بل هُم من يُصرون على عدم تفوق بني الإنسان على بني الجان أو على مخلوقات الله جميعاً.
فهؤلاء الذين غرر بهِم الشيطان اللعين من بني الإنسان، إنما هُم من احتجت بهِم الملائكة أمام الرحمن بكونهِم من البشر الذين سوف يُفسدون بالأرض ويسفكون الدماء، وبأنَّ الملائكة أولى من البشر في أن يكونوا بمنصب خليفة الله في الأرض، وذلك كون الملائكة يعرفون الجان وأولهُم إبليس اللعين جيداً فلا يُمكن لهُ أن يُغرر بهِم، وهُم كذلك مُتمسكون بطاعة الرحمن ولا يعصوه أبداً مهما كان، لكن الرحمن العزيز القدير، إنما هو سُبحانهُ عليم بحقيقة وطبع معشر الإنس والجان، وبالتالي فالخالق سُبحانهُ وتعالى على يقين بأنَّ الإنسان المؤمن بالله واليوم الآخر والبعيد عن وساوس الشيطان سوف يهزم الشيطان اللعين وأعوانه من الإنس والجان شر هزيمة.
ذلك الإنسان المؤمن سوف يكون خير خليفة لله على الأرض كما شاء لهُ الرحمن، وسوف تعترف المخلوقات جميعاً حينها بأحقية ذلك الإنسان أن يكون خليفة الله في الأرض وفي أي مكان، وسوف تعترف المخلوقات جميعاً بأحقية الإنسان في أن تسجد أمامه كما أمرها الخالق الواحد الديَّان.
هذا الأمر لن يتِم إلا بتذكر الإنسان لما تعلمهُ من الرحمن، كعلم الأسماء وعلم البيان وكذلك علم الكتاب، حيث نقرأ في قولهِ تعالى في سورة البقرة: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30).
فالمسألة في أساسها إنما بدأت عند عصيان الشيطان اللعين لحكم الرحمن، ومازال إبليس اللعين وأعوانه من الإنس والجان يُصرون على أن يعصوا الخالق سُبحانه وإلى الآن.
هذا العصيان لم يأتِ من قوة ومكر أو ميزة وتفوق في كينونة خلق الشيطان ومن يُناصره من الإنس والجان والعياذ بالله، إنما جاء من شعورهِم باليأس والندم على ما كان منهُم أمام خالقهم ومُبدعهم، وكذلك جاء من الإحباط والمماطلة بل الهروب من يوم الحساب فبعد يوم الحساب سوف تكون جهنَّم مقر لإبليس اللعين ومن والاه، لذلك نجدهُم يحاولون جاهدين أن يُؤجِّلوا حدوث اليوم القيامة قدر الإمكان، ولكنهُم لن يفلحوا أبداً في مسعاهُم فيوم القيامة لا يعلمهُ إلا الله ولن يُقدم أو يؤخَّر قدر أي مخلوق كان.
ولقد ذكَّرهُم الرحمن وأنَّبهُم بل ولامهُم على أفعالهِم وذلك بعد أن أسكن الشياطين ومن والاهُم من الإنس أجمعين في النار لتكون مثوى لهُم، فذكر لهُم رحمتهِ سُبحانه وتعالى بهِم بان منحهُم الوقت حتى يعودوا إلى رشدهِم فيستغفرون ربَّهم ويتوبوا إليهِ، ثُّم ذكَّرهُم بأيام الله كما جاء قولهُ في سورة الأنعام: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130).
بعد أن تمَّ فيما سبق توضيح بعض الأسرار الخاصة بالسر الأعظم وهو ذلك السر الذي إن امتلكه الإنسان سوف يكون من أسلحتهِ الفتاكة لمواجهة دسائس الشيطان اللعين وأعوانه من الأنس والجان أجمعين.
نعود إلى سورة الرحمن ونواصل دراسة وتفسير آياتها وسورها ونوضح ما فيها من أسرار وخفايا قد حرص الشيطان اللعين ولا زال يحاول على أن يُبقيها في طي النسيان لتكون بعيدة عن متناول يد الإنسان.
فلقد جاء في قولهِ تعالى من سورة الرحمن: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28).
في هذهِ الآيات الثلاث البينات والتي بمجملها تُمثل سورة جليلة واحدة ذات معاني قيَّمة ومُتكاملة شأنها شأن كل آيات سورة الرحمن التي تمَّ الإثبات هُنا بأنَّها سوَّر مُستقلة تدل على حقيقة اسم الرحمن الذي اختصه المولى العزيز القهَّار ليكون الاسم الوحيد لله الذي يُسمي بهِ سورة من سور القرآن، حيث نجد في تلك الآيات معاني قوية وتنبيه خطير للإنسان بخصوص ما تحدثنا بهِ هُنا عن حقيقة أفعال إبليس اللعين ومن خلفه عصابة الإنس والجان عليهم اللعنة أجمعين وإلى أبد الآبدين.
حيث جاءت الآية الكريمة (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26)) لتخبر جموع الإنس والجان حصراً دون سواهُم وتنبهَهُم بأنَّ كل أفعالهُم وما يفعله الشيطان اللعين زعيمهُم كذلك أفعال أعوانه من الإنس والجان الملاعين على الأرض، سوف تكون نتيجته الفناء والخسران لا محالة، فلا يغتَّر أي إنسان أو جان بأفعاله ومكره أو بما يقوم بهِ من جهد لئيم أو عمل جبان، ولا يظُن أيٍ منهما أنَّ لهُ الخُلد على الأرض وإلى الأبد.
فاستخدام الآية الكريمة للكلمتين (كُلُّ مَنْ) إنما جاء لتوجه الكلام مُباشرةً إلى جموع الإنس والجان المتواجدين الآن على الأرض أو اللذين تواجدوا في الماضي والذين سوف يتواجدون بالمُستقبل، فكلمة (مَنْ) الموصولة والخاصة بالعقلاء تُستخدم عادة للدلالة على الإنس أو الجان وأحياناً للدلالة على الملائكة كذلك، وإتباعها بكلمة (عليها) أي على الأرض حصرياً، نكون بذلك قد استثنينا الملائكة الموجودين في السماء.
إنَّ مخلوقات الجنَّة مُخلدون فيها بأمر الله، كذلك المعذبون في النار فهُم خالدين فيها بإذن الله أيضاً، أما بخصوص المخلوقات الأرضية الغير بشرية والتي هي ليست من الجان، فلقد خُلقت الأرض لهُم، كما جاء في قولهِ تعالى (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10)) وبالتالي فأي مخلوق أرضي غير الإنس والجان إنما هو باقي على الأرض بمشيئة الرحمن.
مما سبق قولهُ عن الآية الكريمة آنفة الذكر إنما جاء ليؤكِّد أنَّ كل مخلوق على الأرض من الإنس والجان وكل عِلم علِّموه أو عمل عملوه أو بناء شيدوه إنما هو زائل وفان لا محالة، وهو الأمر الذي نقرأهُ كذلك في قولهِ تعالى من سورة الشعراء كنوع من الاستهزاء بصنيع البشر: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)،حيث نجد تأكيد الخالق سُبحانه على ما جاء ذكره هُنا بخصوص فناء كل أثر للإنسان أو الجان عملوا جاهدين على إقامتهِ بالأرض في سورة الفرقان: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23).
فكلمة (فان)هُنا إنما جاءت في المٌطلق ولا تحتمل الاستثناء، والذي يفنى إنما يفنى عمله وعلمه وأثره، أما الذي سوف يبقى في الأرض فهو ما عمَله الخالق، وما أوجده بمشيئتهِ في الكون سُبحانه.
فعلم الأسماء وعلم البيان وكذلك علم الكتاب الذي علمهُ الله للإنسان باقي في الكون كعلوم تفسر موجات الطاقة المتنقلة كالصوت والضوء وغيرهما (وهو الأمر الذي نوهنا إليه في الفصول الأولى من السر الأعظم أو سر الأسرار)، كذلك روح الإنسان الذي نفخها الخالق سُبحانه في جسد الإنسان فهي باقية كذلك بإذن الله.
إذاً الذي يبقى بعد فناء الإنس والجان من على وجه الأرض هو فعل الخالق وعملهُ جلَّ وعلا في الكون والذي يشير إليهِ في الآية وكأنَّهُ وجههُ الذي يدل عليهِ سُبحانهُ، وذلك نجدهُ في قولهِ (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)) فانَّ الباقي هو الله وحده فهو الأول والآخر، الظاهر والباطن لا إله إلا هو سُبحانه.
إن التنويه في الآية الكريمة إلى بقاء وجه الله، إنما كان ليتذكر الإنسان رحمة الله وصنيعه في البشر، وبأنَّهُ سُبحانه قد علّم الإنسان بكل حُب واحترام، ونفخ فيهِ من روحهِ سُبحانهِ بكل رِضى ومحبة للإنسان، فالوجه هُنا إنما جاء لتعظيم عمل الله بالإنسان، وهو ذلك العمل الذي يبقى ولا يفنى كونهُ عمل الله وعِلمهِ، وليس كعمَل وعِلم البشر والجان الفان لا محالة.
أما بخصوص ذكر الخالق سُبحانه بقولهِ (ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) إنما جاء ليٌظهر الفرق الكبير والغير قابل للمقارنة بين عمَل وعِلم الخالق الواحد الأحد الواحد الصمد، والذي يستحق التجليل والتكريم من المخلوقات جميعاً دون استثناء، وبين عَمل وعِلم مخلوق الإنس والجان الذي لا يستحق سوى الفناء مهما كان أو يكون وأيٍ كان.
بعد ما تقدم شرحهُ، هل هُناك من جواب لسؤال الرحمن (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28))؟
سوى أن نقول: نعوذ بالله أن نُكذب أو ننكر بأيٍ من نعمك وأفضالك علينا يا ألله.

من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
صفحة 153 -160
تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)






رد مع اقتباس
  #2  
قديم 07-05-2021, 08:03 PM
نور الليالي نور الليالي غير متواجد حالياً
موقوف مؤقتا
 
تاريخ التسجيل: Jan 2018
رقـم العضـويـة : 43908
العمر: 44
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 551
أعجبني: 14
تلقى إعجاب 7 مرة في 7 مشاركة
منشن: 0 مشاركة
الإشارات: 0 موضوع
افتراضي







رد مع اقتباس
  #3  
قديم 10-07-2021, 08:18 PM
الصورة الرمزية مسرع بشويش
مسرع بشويش مسرع بشويش متواجد حالياً
الحمدُ لله
 
تاريخ التسجيل: Nov 2014
رقـم العضـويـة : 39824
الجـنــس : ذكر
المشاركات: 2,695
أعجبني: 767
تلقى إعجاب 220 مرة في 195 مشاركة
منشن: 1 مشاركة
الإشارات: 0 موضوع
افتراضي

من فضائل الباقيات الصالحات
( سبحان الله، و الحمدُلله، و لا إله إلا الله، والله أكبر
و لا حول و لا قوة إلا بالله )
أنها منجيات يوم القيامة،
أنها أحب الكلام إلى الله سبحانه وتعالى،
أنها أفضل الأعمال الصالحة،
سبب في كثرة الحسنات،
سبب في محو السيئات،
أنها أفضل الأذكار،
لها ثواب الصدقة ،
أنها غراس الجنة،
سبب أن تستغفر الملائكة لقائلهن
سبب في غفران الذنوب،
أنها أفضل عند الله من مؤمن معمر في الإسلام
أنهن يذكرن بصاحبهن عند عرش الرحمن:
سبب في إستجابة الدعاء







التـوقيـع (ربنا آتنا في الدنيا حسنه وفي الآخرة حسنه وقنا عذاب النار)
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الشبكة الليبرالية الحّرة هي شبكة ذات إدارة من مختلف الدول والأقطار بالعالم، وهي لا تمثل أو تتبع بأي شكل من الأشكال أي دولة عربية أو غير عربية، وعليه فإننا نؤكد أن جميع المشاركات تعبّر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الإدارة.
الساعة الآن 05:12 PM.


Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2021