العودة   الشبكة الليبرالية الحرة > الأقسام العامة > من أفضل ما كتبه أعضاء الشبكة الليبرالية الحرة

الملاحظات

قائمة الأعضاء المشار إليهم في هذا الموضوع:

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 25-08-2020, 04:03 PM
وِرْد وِرْد غير متواجد حالياً
ولسوف نعطيك فترضى
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
رقـم العضـويـة : 44569
الدولة: في السلام
الجـنــس : أنثى
المشاركات: 6,245
أعجبني: 8,404
تلقى إعجاب 7,883 مرة في 4,164 مشاركة
افتراضي عرافة

وحيدة ،بلا مأوى ،هكذا وجدت نفسها وهي بعد في الخامسة عشر من عمرها ،تربت على يد امرأة عجوز كانت تناديها جدتي ،أما المرأة فكانت تناديها (وجه الشؤم) لم تعرف اسمها إلا في السابعة من عمرها حين رأتها المعلمة نفيسة تتصنت على حلقة القرآن خاصتها وتردد (إن الإنسان لفي خُسر) وراءها بصوت شجي ولغة سليمة ،بعد انتهاء الدرس ،اخذتها من يدها لتدخلها على منزلها ،وطلبت من جدتها ان تبعث بها كل عصر الى حلقة المعلمة وسألتها عن اسم الفتاة
نظرت العجوز الى المعلمة بغضب وأوضحت لها انها لن تدفع اجرة تعليمها ولن ترسل معها العطايا كما تفعلن بنات الناحية ووافقت المعلمة واوضحت للعجوز انها لا تريد منها الا الحضور وأعادت سؤالها عن الإسم ،ترددت العجوز واخذت تفكر كما لو إنها قد نسيت الإسم ،حملقت قليلا في وجه الطفلة القذر وجسدها الضئيل النحيف وقالت اسمها (ظل)

هكذا حكمت عليها العجوز بأن تكون محض ظل لا تُرى ملامحه ،وكان ان اصبح وجهها منوها في عين الناس ،لا يميزها احد ،لا يتعرف عليها الا المعلمة وابنتها فاطمة ،اما بقية الناس فيتجاوزونها ويمضون في طريقهم دون الإلتفات لها ،حتى ان بعضهم يصطدم بها وينظر لها مندهشًا ،يظن انها برزت من العدم

ختمت القرآن كله وتعلمت التجويد وبدأت في الفية ابن مالك حين أصبحت بلا مأوى ،في نهاية اليوم وبعد الفراغ من الدرس ذهبت كعادتها الى المنزل تركض حتى لا تغرب عليها الشمس وتضربها العجوز ضربًا مبرحا ،متهمة اياها بانها ستجلب لها العار كما فعلت امها من قبلها ،وهي تحمي وجهها بذراعيها المشوهتين من كثرة الضرب والعمل في المنزل وحمل جرار الماء من النبع الى البيت مسافة طويلة كل صباح

عادت ،وجدت الباب مُقفل ،طرقت الباب طويلًا ،غابت الشمس ،واذن المغرب تلاه العشاء وهي تطرق الباب جالسة على العتبة تحدق في القفل الصديء الكبير الذي يحكم الرتاج ويثبته بقوة

حاولت كسر القفل بحجر وجرحت يدها لكن لا فائدة ،لم يُفتح الباب ولا تعرف ماذا تفعل ،في هذه الأثناء قتحت الجارة السمينة نافذة مطبخها الضيقة وحشرت وجهها الكبير الدهني وهي تمضغ شيء وتلوكه وتتلمس بصوت عال ،وبين صوت مضغها وصرير رياح هبوب الخماسين المتربة على الناحية شعرت (ظل) انها ستقع مغشي عليها ،لم تأكل شيء طوال النهار ،ولم تحتمل الرائحة التي اثارت غثيانها حين شرعت الجارة فمها الواسع وبقايا الطعام بين اسنانها وقالت لها :

(لقد رحلت العجوز ،قالت انها لن تعود الى هنا ابدا ،ظننت انها اخذتك معها ،لقد باعت البيت للمختار ،فلا تكسري القفل ،هذا ليس بيتك الآن ولا بيت جدتك)

نظرت الجارة للفتاة قليلا كأنها تريد قول شيء ،لكنها عدلت عنه في اللحظة الاخيرة واقفلت النافذة بصخب دوى في الليل وشتت الريح ،وقفت (ظل) تنظر للنافذة المغلقة ودموعها تنساب على وجهها بلا اي اختيار

هكذا وجدت نفسها ملقاة على قارعة الطريق ،لا سقف يحميها ولا دفء يحتويها

يتبع






التـوقيـع في مدار الرضا
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 26-08-2020, 02:16 AM
وِرْد وِرْد غير متواجد حالياً
ولسوف نعطيك فترضى
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
رقـم العضـويـة : 44569
الدولة: في السلام
الجـنــس : أنثى
المشاركات: 6,245
أعجبني: 8,404
تلقى إعجاب 7,883 مرة في 4,164 مشاركة
افتراضي

الليل مظلم والريح عالية ،التراب يعفر وجهها ويملأ فمها وعينيها ،اين تذهب ،لاذت بالباب ،ضمت ساقيها الى صدرها وانطوت بشدة محاولة منع عضة الجوع من التمكن منها ،وبينما هي كذلك غفت منهكة ومحطمة

على هذه الحال ،شعرت بقطرات ماء تصيب طرف رجليها وذيل ثوبها ،لا ينقصها الآن الا مطر يحول الطريق المترب الى طين ويبلل ردائها الوحيد المهلهل ،بينما هي تتذمر في داخلها وتنعي نفسها مُقدمًا ،سمعت صوت رقيق ناعم ينادي يا (نور) ،لا تعرف احد ا في هذه الناحية يُدعى نور فإذا بالصوت يرد على افكارها
(هذا اسمك الموهوب لك بالولادة يا نور ،وضعتك العجوز في الظل حتى لا يسطع نجمك ،للإسم هبته ولك منه نصيب وافر يا نور ،قومي من حينك ولا تخشي شيئًا ،توجهي للبحيرة التي تتوسط الجبال الأربعة غرب الناحية ،بحيرة الزنابق البيضاء،اذهبي هناك لتتلقي ميراثك السري الذي يسكن صندوق عليه حرز وختم سليماني لا يفك طلسمه الا أنتِ ولا يفهم ما فيه الا انت ولا يحق لأحد سواك اخذه)

فتحت عينيها ولم تر احدًا ،هذا حلم ٌ إذًا ،ما هذا الحلم الغريب ،ولم يراودها الحلم الآن في هذه العتبة التي لفظتها ،هي التي لم تحلم يومًا ،سمعت معلمتها تفسر أحلام سيدات الناحية وقرأت ابن سيرين وأخذت بلقبها التآويل وكانت تسال الفتيات قريناتها عن معنى الحلم وماذا يشعرون فيه وكيف يأتيهم ،هل يستدعونه ان يتسلل لنومهم ،والى اين يأخذهم ملاك الحلم كما تسميه المعلمة

ثم تساءلت هل تتبع الوصية /الحلم ،ام تنتظر تفسيره غدًا،لديها حدس انها لا يجب ان تخبر عن حلمها أحد ،قالت المعلمة مرة همسًا لأبنتها ،ان اردت ان يتسربل الحلم بالواقع ويكون ويتكون وتملكين فراره لا تتحدثي به الى أحد ،يأمن حلمك جانبك وينحاز لك ،وإن أخبرتني به تبدد وراح الى غيرك

وجدت نفسها تنهض ،تنفض النوم والتعب والأفكار كلها وتتجه ناحية الشرق ،جهة البحيرة المعنية لترى هل يتحقق الحلم /النبوءة وهل يستحق ميراثها هذه الرحلة

يتبع






التـوقيـع في مدار الرضا
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26-08-2020, 07:36 AM
وِرْد وِرْد غير متواجد حالياً
ولسوف نعطيك فترضى
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
رقـم العضـويـة : 44569
الدولة: في السلام
الجـنــس : أنثى
المشاركات: 6,245
أعجبني: 8,404
تلقى إعجاب 7,883 مرة في 4,164 مشاركة
افتراضي

توجهت لشرق الناحية ،اخذت تمشي وسط زوبعات رمالٍ ناعمة تصفع وجهها وتلهب قدميها ،سارت حثيثًا بادي الأمر ثم ابطأها الإنهاك والخوف ايضًا ،هوام الليل تجتمع وتطير وصوت كلاب بعيده يضخمها السكون وتحملها الريح الى اذنيها فتظن ان كلب ا وراءها تقفز مستديرة فإذا هي لا تزال وحدها اسيرة هذا الدرب الليلي المعتم ،لا نجمة تهديها ضوء ولا صاحب يخفف عنها المسيرة بحديث أو حوار مما تركها تتنازع مع نفسها كل الوقت ،تارة تلوم وتقول كيف تهورتَ واتبعت حلم ،على الاقل انت تعرفين اهل هذه الناحية وهم يعرفونك ،سوف تحدين من يأويك ولو كخادمة او معلمه لأطفاله الصغار او حتى كلاهما

وتارة أخرى تمني النفس بصندوق ميراثها الذي تخيلته مايئًا بالكنوز والأموال التي سوف تتيح لها شراء بيت ومزرعة ،حتى انها فكرت ماذا ستزرع واي الحيوانات ستربي ،إذا تمكن منها التفاؤل تحث الخُطى يحملها الأمل وينير دربها الخلاص النهائي من الفقر ومن سيطرة الجدة القاسية

بدأت تباشير الصباح ،خف التراب وهطل الندى وكانت قد وصلت الى أطراف الناحية حيث شجرات السدر الثلاثة المعمرات ،تتدلى منهن خيوط ملونة ومناديل مطرزة واوراق مثنية ومغبرة وعرائس قماشية بلا ملامح ،تلتف القدرات حول بئر ماء جف منذ زمن كما تعرف من حكايا الناس ،يقولون انه جف بعد جريمة حدثت بغتة والقيت جثة القتيلة في البئر فجف من هول المها وحزنها الذي جعل طعم الماء مرًا لا يُشرب حتى يجرح اللسان والحلق ،وقيل انه اصبح مرتعًا للجنيات اللواتي يتربصن بالفتية في أول طلعتهم ويمتصون صباهم ويغيبونهم سبع سنوات فأذا عادوا لم يعرفوا اين هم ولا اين كانوا ولا ما حدث وتحولوا الى اشباه انسان يطوون ويموتون تباعا

كل تلك القصص عبرت ببالها وهي تحاول سحب الدلو لتطعم الماء فقد نال منها الظمأ وتشققت شفتيها ،يبدو ان الدلو عالق في شيء ما ،حاولت وحاولت فأنسحب الحبل ليدها بغته حتى ان الدلو كاد ان يضرب غرتها ،اخذت تشم الماء ،لا رائحة شاذة فيه ،تكاد تشتم رائحة طلع الزهور او لقاح النخيل ،اخذت تقرب الدلو الى فمها بحذر ،ثم غيرت رأيها وادخلت يدها في الماد مقو ومضمومة كما كأس لتشرب بها حين أحست ان شيء ما كأنها اسنان صغيرة تقبض على سبابتها اليمنى وتعضها بقوة آلمتها وصرخت وسحبت يدها من توها لترى شيء عجبا

يتبع






التـوقيـع في مدار الرضا
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 28-08-2020, 07:49 AM
وِرْد وِرْد غير متواجد حالياً
ولسوف نعطيك فترضى
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
رقـم العضـويـة : 44569
الدولة: في السلام
الجـنــس : أنثى
المشاركات: 6,245
أعجبني: 8,404
تلقى إعجاب 7,883 مرة في 4,164 مشاركة
افتراضي

سمعت ضحكة خافتة لطيفة وفتحت عينيها على اتساعهما مندهشة حين رأت شخص صغير للغاية بطول سبابتها يقف على حافة الدلو ويبتسم لها بفم عريض نسبة الى حجم وجهه وقال لها

(ها قد أتيتِ أخيرًا ،لقد انتظرتك طويلًا )
(انتظرتني انا ،لم وهل تعرفني)
(نعم أنت،) وهو يقلد لهجتها المذهولة ولا يزال يبتسم
(لقد انتظرتك يا نور بعد أن وعدتني والدتك بأنك ستحرريني من هذه البئر وترجعيني الى سابق عهدي)
نظرت له مليا ،جسده الصغير ملفوف بخرقة حمراء بالية تغلغل فيها الماء وهتك خيوطها وبقت معلقة على كتفيه الضيقين تستر جسده الضئيل وتغطيه حتى رجليه الدقيقتين ،وجهه ابيض عريض ومجعد كما لو أنه قضى في الماء وقتًا طويلًا ذكرها باصابعها حين تنسى نفسها وتسرح في العين وهي تسبح برفقة ابنة المعلمة فتخرج باصابع شاحبة مجعدة

ناداها ناشبًا اياها من افكارها
(يا نور ،عهد والدتك لدي مكتوب ،عليك ان تأخذيني معك الى البحيرة ،سأساعدك كثيرًا ولن اعرقلك ،اسمي الذي اذكره مروان وقالوا لي جنيات البئر ان لي اسم آخر تخليت عنه طوعًا كي يحموني واخترت هذا عوضًا عنه ولا اعرف ما الذي كان في اسمي يستحق ان يقايضون به على حماية طويلة لا يعرفن وقت انتهائها ،ما الذي وضعني هنا او من الذي فعل بي هذا وحولني الى انسان صغير جدا لا أذكر ،يبدو انه سخطني واستولى على ذاكرتي ايضًا ،لكنني خلال بقائي هنا تعلمت الكثير من الحيل واكتسبت مهارات عدة ،لن أمرك ان لم افدكِ فخذيني معك ارجوك )،ادخل يده الصغيرة وسحب حبلًا قصيرا مربوطًا بحرز بلاستيكي معتم فضه فإذا به ورقة مطوية ناولني اياها ،بحذر فتحت الورقة ورايت الخطاب الموجه لي من الأم التي لم اعرفها كتبت فيه

(يا نور ،لا بد ان يأتي اليوم الذي تعرفين فيه اصلك ويدلك الدرب على ميراثك،لقد اخذت العهد على الريح والظلمة والليل البهيم حول بيت العجوز ،كانوا يحرسونك حتى لا تغتاله العجوز كما نوت في طفولتك ،ان لم تستطع فك الحجب حولك وهتك الظلال التي تراها فسوف تياس وتدعك في سلام ،وسيرسلون اليّ ،فإن وصلت هنا ،خذي هذا المخلوق البائس حامل الرسالة معك فهو يدين لي بحياته ،سوف يرافقك ويساعدك وأوصلته معك الى البحيرة كما يريد ولا تخافي ،أنت ِ في عيني ّ اين ما كنت وكيف ما كنت وسأهتم ميراثك لا بد لأوفي النذر لابيك كما وعدته )

ترقرقت الدموع في عيني نور ،نظرت عبر غمام دموعها للصغير مروان ومدت له يدها فقفز فيها ،تسلق على جديلتها وتمسك فيها بعد ان جلس على كتفها الأيمن وصرخ قدر ما استطاع صوته

(هيا بنا ،على بركة الله ،املئه قربتك ودعينا نسير في دربنا المحتوم)


يتبع






التـوقيـع في مدار الرضا
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 31-08-2020, 08:53 PM
وِرْد وِرْد غير متواجد حالياً
ولسوف نعطيك فترضى
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
رقـم العضـويـة : 44569
الدولة: في السلام
الجـنــس : أنثى
المشاركات: 6,245
أعجبني: 8,404
تلقى إعجاب 7,883 مرة في 4,164 مشاركة
افتراضي

ناموا ليلتهم تحت خميلة انتقوها ،كانت نور تفترش العشب الطري وتلتحف السماء ،أما مروان فقد قفز من على كتفها الى الأرض وهو جائع جوع منعه من النوم واستغرب كيف لا تشعر نور بهذا الجوع وهي البشرية الشابة ،أخذ يبحث فيما حول عن ما يؤكل ويتجنب الضوء حتى لا يراه مخلوق قارض يلتهمه في غفلة منه

وبينما هو كذلك سمع خشخشة بين ورق الشجر المنتثر في الأنحاء فأختبأ وأنصت

لمح اثنين من مخلوقات الظلال لا يعرف جنسهما ولا من اين اتيا لكنهما يتشكلان ويتماوجان ،ليس لهما شكل محدد ،يطفوان في العتمة ولا يميزهما سوى عينين صفراوتين واسعتين تلمعان مثل نصل سكين مشحوذ مما بعث الرجفة في جسد مروان الصغير وأخذ يتلفت ويطمئن على نور كل لحظة ويحبس انفاسه خشية ان يرياه ،هو لا يعرف ما اذا كانا مخلوقين للشر ام للخير ،ولا ان كانا سيفتكان به ،لكنه حذر وصحبة نور تزيده حرصًا ،وعندما وصلت أفكاره لتلك النقطة سمع احدهما يقول للآخر وهو يشير الى منخفض يكاد لا يُرى ينتهي بشجيرات متداخلة اغصانها تنتشر افقيا ولها ثمر لم ير مثله مروان قط ،هو لم يرى الكثير على كل حال

تحدث الآخر وقال

(آه،انك تسأل عن تلك الشجيرات ،هل تريد الذهاب للبحيرة الكبيرة ،انت تعرف انه محرم علينا الذهاب هناك ،وان قطرة منوماءها ستكلفنا بصرنا ،نعم هذا هو المدخل السحري الذي يمر به المختار في سبع خطوات خفاف ليخرج من جمة شجيرات أخرى على الطرف المقابل للبحيرة مباشرة ،لا احد يعرف من وجد الطريق ذلك والى من وُهب ،لكنني سمعت جدي يقول ان الشجيرات لا تكشف عن الدرب الا للمختارين فقط ،لربما رفضنا الدرب يا صاحبي ورمى بنا في مأزق صعب ،وقد خرجنا نتسكع دون معرفة كبيرنا ولا أذنه وسوف يقتلنا ان لم يغتالنا ذلك المكان )

ارتاع صاحبه الذي بدا اصغر سنًا منه ،تبين مروان هذا من طريقة حديثه وخوف يموج صوته وقد كان ينظر للآخر مثل تابع لمتبوع ،وهذا جلي واضح في نظرته، ابتعدا يتمشيان ويبعثان هنا وهناك ويقطفان اوراق الشجر وازهارها ويلقون بها الى الأرض لا لسبب واضح ولما اختفيا عن نظره وما عاد يسمع خطواتهما ،قفز من حينه الى حيث ترقد نور ،هز كتفها برفق وأيقظها ،وقال لها وهي بين اليقظة والنوم ،تعالي معي لنرى ان كنتِ من المختارين لعلنا نختصر هذا السفر وننهي طريق الرحيل ،مثل مسيرة اخذته في كفها واتبعت دلالاته ،ودخلت الى الشجيرات ،وما ان خطت الخطوة الأولى حتى اهتزت الغصون وهب نسيم عليل ،نسيم محمل برائحة الملح الباردة المرة ،وضعت طرف قدمها اليمنى على طرف المنحدر الشبيه بمدخل جحر ،فأنفتح لها باب بحجمها ،سمت بالله ودخلته فأغلق خلفها ووقفت تحاول ان تعتاد الظلمة الحالكة ،كل ما تراه قطعًا من العتمة المكثفة الثقيلة وهمست بخوف

(فيم أوقعتنا الآن يا مروان)

يتبع






التـوقيـع في مدار الرضا
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 02-09-2020, 10:01 PM
وِرْد وِرْد غير متواجد حالياً
ولسوف نعطيك فترضى
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
رقـم العضـويـة : 44569
الدولة: في السلام
الجـنــس : أنثى
المشاركات: 6,245
أعجبني: 8,404
تلقى إعجاب 7,883 مرة في 4,164 مشاركة
افتراضي

لم تسمع صوت رد مروان ،ولم تشعر به على كتفها ،هل فقدته أثناء عبورها ،التفتت لتجد خلفها بابا. صلبًا ،ولمسته تبحث عن ما يفتحه ولم تجد ،كان اشبه بجدار مصمت ،خافت ان يكون قد وقع واغشي عليه فتدوسه وتقتله ،وبينما هي تفكر في مروان انبثق ضوء خفيف بعيد على يمينها ،خطت على الأرض بحذر وخفة ،خلعت نعليها ووضعتهما في جيبها ،مشت على اطراف اصابعها تتحسس الدرب تحتها ،كان رمليا كما يبدو ،رمل ناعم بارد ،آنست به ألفة عجيبة وراحة ،ولما ابتعدت عن الباب عدد مائة وقد تعودت ان تعد خطواتها ،مشت بكامل قدمها الحافية الصغيرة على التراب ولم تلبس نعليها لإستمتاعها بملمس الرمل ثم خطرت لها فكرة ،ان كان مروان قد نجا في هذا العبور فسيتبع خطواتها ويصل اليها ربما

وصلت بعد ما يقارب المائتي خطوة إضافية الى النور الخافت وكان مصباح زيتي به شعلة خافته ،انحنت لتحمله ،لكنه فر من يدها ،اندهشت ،تقدم عنها ،لحقت به وارادت الإمساك به ثانيةً ،لكنه قفز بعيدا هذه المرة ،لم تنتبه لما حولها ،ركزت عليه وارادت اتباعه والقبض عليه ،نظرت له فإذا هو في مدخل مؤطر بخشب معرق تتعرش عليه نباتات خضراء متسلقة ،خطت الخطوة الأولى تجاهه والمصباح في مكانه هذه المرة لم يقفز !

حانت منها التفاته لتجد مدخل آخر في الظلال على يسار المدخل الأول ، المدخل الثاني عاري كأنه مدخل كهف عتيق ،تتحدر منه ذرات صخر يتفتت ،صخر ابيض ملحي ويأتي منه هواء مالح ومنعش في آن ولا ضوء فيه

وقفت محتارة ،اي طريق تسلك ،هل تدخل الى اليمين ان الى اليسار ،وقفت برهة طويلة تمعن التفكير وتنقل بصرها بين المدخلين بينما المصباح في الإطار للمدخل الأول يقفز وترقص شعلته الخافتة كأنما يلفت نظرها الى مكانه ويريد منها ان تتبعه ،لكنها ليست متأكدة منه ،شعورها غريب تجاهه ،كلما نظرت له شعرت بنوع من الحنق والضيق

اصبحت فجأة الشعلة اقوى وأطول وأكثر انارة وكشفت جزء من الدرب والجدار الموارب جهة اليمين ،فأذا الجدار مرصع بالبلور والجواهر اللامعة التي تعشي البصر ولها الف انعكاس من جراء اللهب ،لهب الشعلة ،ومع هذا ورغم جمال المكان الملفت تذكرت معلمتها حين منعتها عن قطف زهرة برية جميلة وملونة ،قالت لها انها سامة ،وتعجبت نور كيف تكون هذه النبتة الجميلة سامة ،فقالت لها يومذاك

(الجمال يا عزيزتي درجات ،هناك جمال سطحي يخفي أمرًا مغايرًا ويصطاد ضحيته بشكله مثل هذه النبته ،وهناك جمال داخلي أصيل ،كلما تقشرت عنه طبقة وجدت فيها جمالها وفائدتها مثل النخيل ،فلا يغرنك الجمال الخلاب يا ابنتي ،كلما كان اجمل احذري اكثر )

عند هذا الحد من استرجاع ذكرى معلمتها وحكمتها انتبهت فإذا بالشعلة قد كبرت اكثر وتجاوزت مكانها واقتربت من طرف رداء نور ،فما كان منها الا ان قفزت بلا تردد الى المدخل الصخري الخشن المنظر واخذت تركض في الظلام لا مبالية

يتبع






التـوقيـع في مدار الرضا
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 05-09-2020, 09:08 AM
وِرْد وِرْد غير متواجد حالياً
ولسوف نعطيك فترضى
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
رقـم العضـويـة : 44569
الدولة: في السلام
الجـنــس : أنثى
المشاركات: 6,245
أعجبني: 8,404
تلقى إعجاب 7,883 مرة في 4,164 مشاركة
افتراضي

ركضت نور في الممر المظلم وهي تلهث كأن احد يتبعها ،ركضت حتى لم تعد قادرة على تحريك قدميها وهي تصارع الحيرة في دواخلها ،تارة تفكر في مروان الذي تشعر بفقده وتخاف ان لا تراه ثانية ولا تفي له بالوعد ،وتارة تفكر بالحوادث التي جرت عليها خلال ثلاثة ايام ،الحوادث التي لم تخطر لها على بال ،لم تتوقع ان تهجر الناحية وتلاحق حلم عابر ،حتى وان بدا مثل حقيقة ،هي الفتاة الصغيرة ابنة السادسة عشر وحيدة في كهفٍ سحيق مظلم لا تألف عتمته وبرده ينال من عظامها والرجفة في قلبها تمتد الى جسدها واسنانها تصطك بشدة ،وما عادت تعرف ان كانت خائفة الآن او تشعر بالبرد الشديد

سقطت على ركبتيها وشعرت بحصاة تحت ركبتها اليمنى ،اخترقت ثوبها وجرحت جلدها وأحست بدمها حارًا ينبثق من الجرح ،عند هذا الحد وهي لا تعرف هل تعود ام تحمل والى اين تذهب ،بكت ،بدأت دموعها تتسابق على خدها ،ثم أخذت تنشج بصوتٍ عالي منتحبة بشدة وصدى بكاءها يفزع الهواء الرطب ويبدد السكون في المكان ويرده لها الصدى كان ألف فتاة يشاركنها البكاء ولا تعرف كم مضى عليها من الوقت وهي مقرفصة في مكانها لا جدار يسند ظهرها ولا رفقة تسلي وحدتها ولا ضوء يدلها ،كأنها سقطت في ثقب خارج الزمان والمكان ،اخذت تردد مثل مجذوبة (يا رب،يا الله ،يا رب،يا الله) بتواتر وتتابع وقوة ،انخطف قلبها وأغمضت عينيها وشعرت انها لو استسلمت الآن للنوم فلن تصحو ثانية وقد تموت

بينما هي تغالب البرد والنعاس سمعت صوت،ا مألوفًا ينادي بأسمها ،تعرفت على صوت مروان بعد النداء الثالث فصرخت ،(انا هنا ،مروان ،انا هنا اين انت؟)

اتجه مروان للصوت وهو يعتلي ظهر خُلد آنس له واتخذه مطية ويحمل في يده حجر،ا مضيء بذاته له لون اخضر فاقع ينير حوله ما يكفي لثلاث خطوات

لمحت نور الضوء الخافت من بعيد وأخذت تقفز ناسية جرح ركبتها تبكي وتضحك وتلوح بيدها حتو وصل لها مروان ،استغربت من الخُلد ورفقته لكن مروان تحدث للخلد بلغة لا نفقهها وأومأ ذاك برأسه كأنه يفهمه واستدار وعاد من حيث أتى بينما سحب مروان طرف ثوبها ينبهها له وعيناها معلقتان بالخلد الذي اختفى في الظلمة بعد ثواني ،أخذت مروان بين يديها ونظرت الى وجهه العجيب في الضوء الأخضر وابتسمت له وقالت (اين كنت ؟وما الذي حدث لك ولم تركتني ) كادت ان تبكي ثانية فسارع مروان لطمأنتها وقال لها دعينا نسير معًا ،وسأخبرك كل ما حدث ونحن نقطع هذا النفق بإذن الله

يتبع






التـوقيـع في مدار الرضا
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 05-09-2020, 10:38 AM
وِرْد وِرْد غير متواجد حالياً
ولسوف نعطيك فترضى
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
رقـم العضـويـة : 44569
الدولة: في السلام
الجـنــس : أنثى
المشاركات: 6,245
أعجبني: 8,404
تلقى إعجاب 7,883 مرة في 4,164 مشاركة
افتراضي

بدئا المسير في رفقة الضوء المنبعث من الحجر وبدأ مروان بالحديث قائلًا

(كنت كما تعلمين في معيتك متعلقًا بجديلتك اليسرى ،كلي فضول في معرفة الى اين ياخذنا هذا الكهف ،كنت معك حتى قُفل دونك الباب واستدرتِ بقوة وتمرجح انا ووقعت ،خفتُ ان تطأين علي وانت َ في ارتباكك ذلك فأستندت على الباب ملتصقًا به ومحاولات الوصول الى طرف ثوبك وقد ناديتك حينها مرارًا وتكرارًا لكنك لم تسمعيني ،وربما صوتي لم يصلكِ ،فقد كان في المكان أرواح تهيمن عليه وتتحكم في فضائه ،وكنت قد وُهبت رؤية الشوارد والأرواح الهائمة ،لكن عليّ ان أخفي عنهم ذلك ،لأن الأرواح ما ان تعرف ان مخلوقًا يراهم حتى يبدأون في التقرب منه والحديث اليه والطلب منه لأشياء وأخبار عن أحبتهم اللذين تركوهم أحياء ا بيننا بل انهم احيانًا يطلبون نقل رسالة ما او طلب الى قريب لهم او حبيب مهما بعد ،وعندما لا يتمكن المخلوق من فعل ذلك رفض ا منه او عدم قدرة او حتى حاول وفشل ،يبدأون بالإلحاح وتنغيص العيش والمنام على ذلك المخلوق ،ولذلك السبب أغمضت عيني وانا أشعر بهم يدورون في طواف تائه حولك وحولي ،ظللت على حالي ساكنًا وابتعدتِ انت ِ وانا احدث نفسي انني سألتحق بك في ما بعد ،لربما انبثق ضوء ودلني او وجدت في نفسي القدرة على اقتفاء اثرك ،وكنت أعرف الأثر واقرأه ،لكنني لاحظت ان لا أثر لك اعرفه ،كلما مررت ِ،كنست الريح موقع اقدامك وبددت عطر جسدك وهالته المحيطة ،عندما تذكرت ذلك ارتحت كثير،ا لأن الأرواح لن تجد طريقًا لك وفكرت هذه فتاة محمية بدرع محبة لا يُرى ،من حصنها يا تُرى وفي اي حرز حُفظت روحها من الهتك والفضول،كنت اتحدث ونفسي واستغرب واقلب الإحتمالات الى ان مضى علي وقت طويل وأحسست بالجوع ،وقفت من حيني وأخذت أتلفت بحثًا عن اي شيء يؤكل ،لكن كيف أفعل والعتمة تقف حائلًا بيني وبين رؤية يدي ذاتها ،لدي طريقة للنفاذ تعلمتها لا اعرف متى ولا على يد من ،لكنني كنت امر وانفذ من الاشياء في تلك البئر لكن ليس للخروج منه أبدًا ،وهل ستنفع تلك الطريقة هنا في هذا المكان ،لم أجرب لأنني أستطيع فعل ذلك فقط مرة في النهار والليلة وقد احتاج ذلك في شيء أهم في هذا المأزق ،ندمت وعاتبت نفسي اذ جررتك الى هذا النفق ابحث عن طريق مختصر ونسيت انه ربما في التأني السلامة وفي العجلة الندامة كما قال الحكيم ،مددت يدي اتلمس امامي وبدأت اخطو ،مشيت سبعة خطوات انا اركز ،أعد خطوتي وانصت لأصوات المكان وترددات صوتي حتى اعرف الإتجاه وحين هممت بالخطوة الثامنة احسست فجأة انني أرتفع في الهواء مسحوبًا من شعري وحرقة الألم تشعل جلدة رأسي ،تخبطت وحركت اطرافي بعشوائية وقوة عل من يحملني يفلتني لكنه لم يفعل بل اصدر صوت مخيف زاجر مثل صفير ،وتعجبت هل هو طير اعتبرني فريسة وكيف يعيش طير هنا ،ام هو خفاش سيمتص دمي ويرمي بجسدي الميت ،اقشعر بدني من الخوف واحترق جسدي بحمى شديدة ،فسمعت صوت يقول لي
(يا مروان هون عليك ،سنأخذك الى غايتك فلا تجزع)

يتبع






التـوقيـع في مدار الرضا
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 08-09-2020, 12:51 PM
وِرْد وِرْد غير متواجد حالياً
ولسوف نعطيك فترضى
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
رقـم العضـويـة : 44569
الدولة: في السلام
الجـنــس : أنثى
المشاركات: 6,245
أعجبني: 8,404
تلقى إعجاب 7,883 مرة في 4,164 مشاركة
افتراضي

كانت تحملني بومة حكيمة اُنتخبت لتكون دليل التائهين في سراديب هذا الكهف،وكنت قد جزعت كثيرًا حين سمعت صوتها ،رغم ان ما قالته قصد طمأنتي واضح جلي ،الا ان حسها خلف الصوت غير البشري ارعبني ،وصدقيني يا نور ،مهما تعودتُ على المخلوقات الأخرى وعرفت لغاتها وأدركت وعيها بمحيطها وما خُلقت له،لا زلت أندهش حين تتبدى أمام عيني تلك المعجزات الصغار ،أحيانًا تمنحني الأمل في استرداد ما فقدته ولا أذكره ،ذلك شعور يا نور عجيب وغريب ،ان يفتقد الشخص شيء ما لا يتعرف عليه ولا يعرف ماهيته لكنه يبحث عنه بحث المولع والمأخوذ ،لا اعرف ما الذي أصاب ذاكرتي ،حين استيقظت ذات ظهيرة وانا في ذلك البئر الذي وجدتني فيه ،لا أعرف كيف استطعت التنفس في الماء ،ولا كيف تعلمت السباحة طوال الوقت كأنني منذور لها ،ولا اعرف ايضًا كيف فهمت لغات الضفادع والجنيات وحصى البئر والريح والرمل والدلو ذاته ،حتى أن بعض الأشياء تدلي بتعليقات تجعلني ابتسم والبعض تشتمني وتستغرب وجودي وابتسم ايضًا ولا أعرف متى عرفوا انني أعرف لغاتهم حين بدأوا يخاطبوني ويألفوني ويصادقوني ،تبينت حينها ان المشاركة في اللغة تخلق الالفة وتقوي الإنتماء ،وأنت ان تحدثت الى مخلوق بلغته حرص على الوفاء لك وأعتبرك من جنسه
لذا هدأت رغم رعبي من صوتها وبدأت اتحدث لها بلغتها وأسأل تلك البومة اسئلة كثيرة ،مثل هل انا على الطريق الصحيح ،هل تعرفين نور ،هل هي بخير ،هل هي بعيدة ،ولم تجاوبني الا على سؤال وحيد ربما لأنها تدرك انني لن اتوقف لو لم تحب عليه ،لقد قالت انك بخير وهذا ما يهمني الآن واستنتجت انه طالما وافقك الدرب وصاحب خطوك الطريق فلا بد انه طريقك المعين المُختار ،لكنني تمنيت بكل ما أملك من جلد في داخلي ان اصل لك واصحبك في الرحلة ،وكنت من قبل اتمنى ان تأخذيني لتوفي بالعهد الذي قطعته لي تلك السيدة ووافقته انت ،لكنني الآن أريد ان أصحبك رغبة في صحبتك ودعيني أقول لك انه شتان ما بين النيتين

وبينما انا في لجة الأفكار تموج بي دخلنا الى تجويف صخري يبدو انه في سقف الكهف ووجدته مضاء بألاف من الأحجار الملونه كالتي رأيتها في يدي ورمت بي البومة بينها وانا انظر اليها بوجل وأتفحص مظهرها المهيب ،بومة حالكة السواد لامعة الريش حادة العينين ،عيناها صفراوين ورأسها كبير ،كبير يا نور قدر رأسك اربع مرات ،انا جناحها حين فردته فلا بد انه ثلاثة امتار للجناح ،وجسدها رشيق ضامر وصدرها مرتفع وبه ريشة وحيدة بيضاء جهة القلب لا يراها الا مدقق حريص ،لم تقل لي اي شيء ،قالت سلام الله عليك يا مروان فقط وطارت عائدة من ذات الفجوة دون ان تخبرني ماذا افعل او لم انا هنا

يتبع






التـوقيـع في مدار الرضا
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 11-09-2020, 07:27 AM
وِرْد وِرْد غير متواجد حالياً
ولسوف نعطيك فترضى
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
رقـم العضـويـة : 44569
الدولة: في السلام
الجـنــس : أنثى
المشاركات: 6,245
أعجبني: 8,404
تلقى إعجاب 7,883 مرة في 4,164 مشاركة
افتراضي

تخلى عني الخوف في ضوء الأحجار ،الأحجار التي أظنها كريمة ومضيئة في أصلها لا مُضاءة ،بعد هذا تأكدت انها مشاعل نور ابدية نثرها الكون في الارض حتى لا نموت وحشة ان هبطنا فيها ،أخبروني ان لكل روح طيبة جوهرة كهذه او أكثر ترافقه الى دار السلام متى عاد الى التراب وامتزج في نسيجه الأول وحل فيه ،هكذا نحن المخلوقات البائسة يا نور ،المخلوقات التي تحارب كثيرا وبشراسة لاجل تراب نحن منه وهو منا ،ربما هذا ما يجعل الأرض غالية علينا ،لأنها امنا الاولى واساس تكويننا ،كنت كلما عبرت في هذا السرداب تتفتح مداركي عن شيء ما ،لقد كنت امتلك رأسًا خاليًا من الهموم ،لا ينتظر شيء ولا يفكر في شيء ولا يتأمل ما حوله ،يقبل الأمور كما هي دون جهد ،تعلمت ان اتقبل الأشياء بعد التعرف اليها ،اضعها في داخلي بترتيب وتصنيف وأولويات ،هكذا عبرت ذلك التجويف احادث نفسي وأبحث عن منفذ ،استأذن الأحجار واسألها الصحبة لتنير لي الطريق اليك وأعود لضعفي وينال مني جوع يهوي بقلبي الى اسفل بطني ويشعرني بالإعياء والتعب ،جلست الو الأحجار اقلبها بين يدي وارى ايها ستهبني نفسها

تدحرجت هذه الحجرة التي ترين الى جيبي ،أردت ان اقف لأكمل بحثي عن باب آمن أعبر منه ،لكنني من هول التعب سقطت نائمًا ،يسندني جدا. لا أعرف ما وراءة ويغيرني جوع لا أرجيء شبعه ،تكومت حولي الأحجار تدفئني ،وأحسست بي أسترخي وادخل الى النوم وابحر فيه حين ناداني هاتفٌ بصوت مألوف ونتوسل ومهيب في آن ،صوت يقع في قلبي ويشجيه ،يقول بحسٍ باكي

(مروان ،يا مروان ،اسميتك مروان لتكون عماد ظهري من مروتك الصلبة في شق الإسم ،وتكون ريحانة قلبي في الشق الثاني من اسمك الحبيب ،كيف تأخذك مني الريح وتغلبك ،كيف ترحل وتتركني لسرير مشيبي وعجزي ،لا ولد يقف لي ويستر ضعف شيخوختي ولا وارث يمتد بسلسال ظهري على عرش الامارة ،هل تنقطع عني فينقطع اسمنا من العالم وينتهي حكمنا ويتقوض عصرنا ،بماذا افتدي عودتك ،اخبرني ،ان كان بماء عيني فقد سكبته حسرة في غيبتك ،وان كان بسنين من عمري فقد مضى علي العامين في فقدك بستة أعوام ،ولا زلت ان تيقنت من عودتك سأبذل الغالي قبل الرخيص لخطوة تعيد بها نبض الحياة الى قلبي ،في بعادك انا لا أعيش ،انا اتمدد في الحياة مثل ميتٍ لم يُقبر ،تلعب به الهواجس ويؤرقه الأمل ،مروان ،يا مروان)

استيقظت وفي عيني نحيب لم اعرفه من قبل ،كان الخطاب من ذلك الغريب إحزن ما سمعت في ما اذكر ،وكان في صوته منوالألفة في داخلي ما جعله يتمكن من دواخلي تمكن الغيث من الرمل ،انتفضت واقفًا ،مسحت دموعي وقررت ان لا افكر الآن الا في حاضري هذا وكيف اجد بعض الطعام وايضًا باب العبور ،وبينما انا ابحث واتحدث الى الأحجار اقترب مني الخلد الذي رأيته وهو يشدني ويسحبني ،خفت منه ،لعله سيظنني مخلوقًا يأكله ،لكنه حدثني حديث العارف في وجداني بلا صوت ،آمنت له وتبعته فوجدت تجويف صغير به خبز جاف وبعض العسل في جرة صغيرة وما يشبه نبعة ماء صغيرة جدا او هي بركة لا اعلم ،كل ما اعرفه ان ماءها عذب فرات كما وُصف الكوثر في الكتاب ،فطعمت وشربت وحمدت الله وهممت بالجلوس فإذا بالخلد يسحبني ثانية ،كيف أعتمد عليه والى اين سيذهب بي ،هل يرى ،ان له عين صغيرة غريبة لا تعبير فيها ،وبينما انا افكر قفزت الحجرة من جيبي وحطت على ظهر الخلد ،بعد دقيقة عرفت انهما يدعواننا لإعتلاء ظهر الخلد ففعلت وتوكلت على الله ووصلت لك ،هذه كل الحكاية التي مررت بها )

في انتظار ردة فعل نور او اي تعليق منها ،لكنه لم يسمع الا صرخة صغيرة فرحة وراى اصبعها يشير الى معبر صغير يسرب النور الساطع الى قدميها في شعاع دافيء ،وركضت وانا متشبث بجدولتها خشيت السقوط ،ركضت الى المعبر تحفره بيديها وتوسع المكان كي تستطيع الخروج من هذا السرداب ،لكننا لا نعرف بعد ماذا سنلقى في خروجنا هذا ما فكرت فيه وانا اناديها لتطل على الاقل وترى هل من الحكمة ان تحفر لكنها لا تسمعني وقد وضعت كل أملها في تلك الكوة

يتبع






التـوقيـع في مدار الرضا
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 14-09-2020, 07:12 PM
وِرْد وِرْد غير متواجد حالياً
ولسوف نعطيك فترضى
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
رقـم العضـويـة : 44569
الدولة: في السلام
الجـنــس : أنثى
المشاركات: 6,245
أعجبني: 8,404
تلقى إعجاب 7,883 مرة في 4,164 مشاركة
افتراضي

تقدمت نور الى الكوة المضيئة غير عابئة بتحذير مروان ،تقدمت يحذوها الأمل بالخلاص من هذا السرداب والوصول الى البحيرة الموعودة ، لم ير مروان بد من مرافقتها فقد قرر ان يتبعها اينما تذهب ووجد نفسه تسحبه الى صحبتها بلا تفكير ولا خوف من خطر مهما بلغ ،اقتربا من الكوة وشعاع الضوء القادم يحتضن ذرات متطايرة لا تهدأ ولا تقف على حال ،نظرت نور الى الضوء الذي اعشاها بعد طول عشرة مع العتمة ،سمعت صوت خافت يحادثها ،كذبت أذنيها ،لا بد ان ألاعيب ذلك السرداب لا تنتهي ،لكن شعاع الضوء تحرك وتسلط على وجهها وفيما هي تحاول فتح عينيها لمحت بعض تلك الذرات المتطايرة وكأنها تتجسد على شكل فتيات صغيرات للغاية ،أصغر من حجم مروان حتى ،هن أقرب لليراعات المضيئة لكنهن يسحبن الضوء ولا يهبنا كاليراعات ،وبدت واحدة اكبر قليلًا من صاحباتها وهي التي طارت امام وجه نور مباشرة ونظرت لها وقالت

(سبحان الله ،انك نسخة عنها ،اتريدين العبور الى الجهة الأخرى ،هل تذهبين للبحيرة في عالم الجبال الأربعة ، ان كانت هذه نيتك ،فعليك ان تخرجي من جيبك وتعطينا كي نسمح لك بالخروج من السرداب )

فكرت نور (عن من تتكلم هذه المخلوقة ،وكيف تظن انه تستطيع منعي من العبور وهي بهذه الضآلة )

ردت المخلوقة المُضاءة الطائرة بضحكة خفيفة وتحدثت مع رفيقاتها بلغة لا تعرفها نور ولا يفقهها مروان فضحكن جميعًا وبينما تهم نور وعلى كتفها مروان بالخروج عبر الكوة ،تشكلن مئات المخلوقات من الذرات الطائرة بأشكال شتى وتجمعوا ليكونوا ما يشبه الشبكة التي تغلق الكوة ولا تمنع الضوء ،وعلت قهقهات مختلفة وعادت كبيرتهم للكلام

(أخرجي من جيبك ضريبة العبور والا لن تعبري )

نظرت نور لاشكال المخلوقات المتنوعة الصغيرة ومروان كذلك مبهور بهم ،وهم ما بين شبيهات لها اصغر وبألوان مختلفة وما بين كائنات بألوان الطيف الجميلة لها أجنحة شفافة زرقاء فاتحة كأنما خُلقت من ماء يتدفق ولا يقف ،تتموج الأجنحة بمرونة وتظل ترفرف محافظة على توازن خلاب للمخلوق الملون الجميل في الهواء المحيط

تحدث مروان هذه المرة وقال لكبيرتهم (نحن لا نملك اي شيء ندفعه ،أتيناكم خاليين الوفاض كما ترون ،هي تتبع حلمها وانا اتبع عهد النبوءة ،هي هاربة من وحشتها وغربتها وظلم بني جلدتها وأنا ابحث عن ذاكرتي التي فقدتها وانا انكمش الى هذا الذي ترون ،لو حددتم ماذا تريدون ينبهكم اياه لو ملكناه ولو كان في يدنا لما بخلنا عليكم به ،ولسنا قاتلوكم ولا داخلون على ارضكم عنوة ،بل نحن مرسلون من روح حلم هائم اليكم فإن سمحتم لنا وعينتم ما تريدون فدعونا ندخل الى العالم هناك وسوف نجمع لكم ما تريدون وندفعه لكم متى اكتمل وهذا وعد علينا)

قالت كبيرتهم (انكم تملكون ما نريد ،هي تملكه بالتأكيد ونحن نعرف ما نتحدث عنه ،ان كانت لا تعرف ما في جيبها فهذه سذاجة كبرى ،لكان بأمكانكما تجنب الكثير من المصاعب بما نملك هذه الفتاة الصامتة المستسلمة ،)
وتوجهت الى نور خصيصًا بالحديث

(ها انت رغم قدرك ونبوءة ميراثك وما تملكين من علم وفطنه ،تخرجين في أثر وعد من حلم باهت ،مستسلمة خانعة لهذا المخلوق البائس يدخلك سراديبنا ويعبر بك الغابات والفيافي دون ان يكون لك اي رأي ،اخترت ان تكوني تابعة وانت المتبوعة في اصل خلقك ،استسلمت لمبادراتها وانت المبادرة الأولى في اساس الهبة الاولية لحياتك ،كوني ملكة ارادتك وذاتك منا شاء لك الكون ان تكوني واخرجي ما تملكين وادفعي ضريبة عبورك ثم فكري في من تكونين ولم انت من بين الفتيات في العالم المختارة لهذا الدرب)

مدت نور يدها في جيبها وهي ترتجف وتفكر في حديث الكبيرة الصغيرة وتفاجأت بشيء لمسته بأصابعها

يتبع






التـوقيـع في مدار الرضا
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 16-09-2020, 07:07 PM
وِرْد وِرْد غير متواجد حالياً
ولسوف نعطيك فترضى
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
رقـم العضـويـة : 44569
الدولة: في السلام
الجـنــس : أنثى
المشاركات: 6,245
أعجبني: 8,404
تلقى إعجاب 7,883 مرة في 4,164 مشاركة
افتراضي

أخرجت نور من جيبها بلورة صغيرة شفافة ،تشع لوحدها ،تطوف في داخلها ثلاثة أشياء ،غصن شجرة مورق صغير جدًا ،كأنه نبات الكتم الذي ينبت في اطراف حقول قريتها ،وقطرة ماء عجيبة لا تسيل تظل تتحرك بشكل خاطف صعود،ا ونزولًا ،يمينًا ويسارًا بسرعة تخطف العين ،وشعلة لم تتبينها ،أهي نار ام نور ،قبس صغير ساطع في رأسه ما يشبه لهب شمعة موارب ،كل البلورة لا يتعدى حجمها كف نور حيث انها تستطيع اغلاق اصابعها عليها دون ان يتبين لها أثر في عين من يرى ولنقل قطرها لا يتعدى الثلاث سنتميترات

ركز الجميع على يد نور وصمتوا طويلًا لاهثي الأنفاس تدور عيونهم مع الأشياء الثلاثة ويفكرون كيف اجتمع نار وماء ونبات في بلورة واحدة لا النار حرق النبات ولا الماء أطفأ النار ،همس بعض المخلوقات التابعين للكبيرة وهو يرفرفان بأجنحتهم اسعر مستثارات ومتفاعلات مع المشهد العجيب وهن بعد لا يعرفن هل تريد الكبيرة البلورة كضريبة عبور ،وهل ستمنحها اياها نور ،وما الغرض منها ،هل لها ما يجعلها مفيدة وعزيزة وغالية نوقف لاجلها السيارة ونكمن في المعابر ونقسو عليهم ونحجزهم لنتحصل عليها ،نحن المخلوقات اللواتي تعهدن بأن لا يستخدمن وجودهن الا في تحقيق الأحلام وبث الأمنيات المستجابة ،ما الذي تريده الكبيرة من هذا ،وهل هو أمر لا بد من تنفيذه ام انها سمعت بالبلورة وطمعت فيها ،وبينما هن يفكرن ويتساءلن ويعرفن ايضًا ان الكبيرة تقرأ ما يدور في بالهن وتسمعه لكنهن لم يجدن بد من ذلك ،لقد غلبهنوالفضول وتلاعبت بهن الرغبة في معرفة هذه البلورة والغرض منها

نور تسربلها الدهشة وتعقد لسانها ،تظل تحملق بفزعٍ خفيف في البلورة ،من اين اتت ،كيف دخلت جيبها دون ان تشعر بها ،ان أنها تكونت هناك وظلت ،تكونت من ماذا ؟ وكيف ،يكاد رأسها ينفجر من سيل الأفكار والأسئلة ،أما مروان فقد اخذ يقفز على كتفها مستغربا ثم اطاح بنفسه في يدها وأخذ يدور حول البلورة وينظر لها من قرب ويحاول الصاق وجهه بزجاجها الذي يكاد لا يُرى من صفاءٍ فيه وشفافية وكلما دنى توهجت الشعلة وأسرعت القطرة ورفرف الغصن واهتزت البلورة واسقطته برفق بعيدًا عن حدودها وهو يحاول التمسك حتى سحبته نور ووضعته على كتفها ثانية

خدشت الكبيرة السكون الذي حط على الجميع وقاطعت افكارهم حين قالت

(نعم ،هذا ما يجب ان أتحصل عليه منك كضريبة ان اردتِ العبور ) صوتها متحفز وبه بهجة وانتصار لكن نور قاطعت بهجتها الصغيرة وقالت بصوت خفيض ثابت ويقع في القلب بإصراره

(وماذا لو لم اريد دفع الضريبة ولا اريد العبور )

شهقت الكبيرة ورفرفت بجناحيها مقتربة من نور تنظر في عينيها مباشرة وقالت هذه المرة بصوت متوجس ومحتار

(إذن ،ماذا ستفعلين)

يتبع






التـوقيـع في مدار الرضا
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 16-09-2020, 07:59 PM
وِرْد وِرْد غير متواجد حالياً
ولسوف نعطيك فترضى
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
رقـم العضـويـة : 44569
الدولة: في السلام
الجـنــس : أنثى
المشاركات: 6,245
أعجبني: 8,404
تلقى إعجاب 7,883 مرة في 4,164 مشاركة
افتراضي

ردت نور بثقة وكأنها ليست ذات الشخص الذي كانت عليه ،هناك ما منحها قوة في امتلاكها لهذا الشيء في يدها رغم أنها لا تعرف ماذا يفعل الا انها استشعرت ان البلورة لا شك ستسند ظهرها على الاقل الى ان تصل الى البحيرة المنشودة

قالت (أريد ان أعرف اولا ماذا تفعل هذه البلورة ،ما سرها وفي اي شيء ستفيدك )

ردت الكبيرة (انا لا اريد البلورة ) وصمتت قليلًا
سرت همهمات خلف الكبيرة ،طقطق مروان بلسانه تعجبا وانتظرت نور حتى تكمل الكبيرة كلامها

(أريد الغصن وحسب) ومحت ورفرفت سريعًا وتحاشت النظر لنور

(وكيف سأهبك الغصن والبلورة مصمته مغلقة وهل هناك سبيل لفتحها )

ردت نور وهي تبتسم وتعرف في داخلها ان في الأمر خدعة ما وأستطردت
(وماذا تريدين بالغصن ،أكاد أرى ان الغصن اقلها أهمية ،ففي العالم حولنا الكثير من الاغصان بينما الشعلة المتوهجة التي لا تفنى وقطرة الماء التي تطوف وتتكور على ذاتها هنا الغريبان علينا والذي يُتوقع منهما اشياء ربما سحرية)

فاجأ ردها الكبيرة ،وأخذت تفكر ،كيف لعقل نور ان يكون له هذه البديهة وهذا الترتيب وهي تمتلك ملامح طفولة وتبدو غرة ساذجة تبعت مروان الى السرداب مسيرة ولم تسأل سؤال واحد ،أتكون مثل والدتها ؟

فاجأتها نور حتى انها كادت ان تضرب راسها الهش بصخر الكوة حين سألتها بهدوء
(إذن انت ِ تعرفين والدتي!)

قالت الكبيرة في نفسها (أوه انها تسمع أفكاري هذا سيء ،سيء للغاية)

ابتسمت نور واعادت البلورة الى جيبها وجلست في مكانها وقالت للكبيرة سأبقى هنا الى ان تقرري ان تخبريني ما تعرفين عن والدتي …

يتبع






التـوقيـع في مدار الرضا
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 20-09-2020, 09:23 PM
وِرْد وِرْد غير متواجد حالياً
ولسوف نعطيك فترضى
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
رقـم العضـويـة : 44569
الدولة: في السلام
الجـنــس : أنثى
المشاركات: 6,245
أعجبني: 8,404
تلقى إعجاب 7,883 مرة في 4,164 مشاركة
افتراضي

جلست نور قرب الكوة التي غشاها الظلام ،ما عادت ترى الا اضواء يراعات تطوف حول الصخرة خضراء زاهية ،اخذت تمسح على نفسها محاولة بث الدفء في أوصالها المُتعبة متجاهلة جوعها الشديد ومتفائلة ،أخذت تراقب اليراعات مبتسمة حتى انتبهت الى ان الاضواء المنبثقة منها تشكل كلمة ،أو عدة حروف ،هل هي كلمة اخذت تسال نفسها ،أتحاول اليراعات قول شيء ما لي! دققت النظر وفكرت ،ثم اخرجت البلورة التي تنيرها الشعلة وأخذت تقلبها تارة وتنظر الى أثر الحروف الخضراء الواقفة في الهواء وقد اندهشت ،وقالت لنفسها بعد كل ما جرى عليك لا زلت تندهشين يا فتاة ،كان مروان في اسند رأسه الى رقبتها وتدثر بضفيرتها ويبدو انه نام ،تشعر به وليس له صوت ولا حركة ،همست بأسمه ولم يرد ،ترددت قليلًا ثم اقبلت ببلورتها على الحروف ،تحضن البلورة بكلتا كفيها الصغيرتين وتحاول فك الرمز
س، ل،ا،م
انها كلمة (سلام) هل يحيونها ام يخبرونها انهم اتوا بالسلام او ماذا ،ما معنى هذا ،نست تعبها وجوعها وبردها واقتربت اكثر من الكوة ،قرفصت على المنفذ اقرب ما يكون للكوة ،سمعت صوت الريح تعبر وتصفر واتى صوت رخيم لسيدة لا تعرف من اين ،لكن الصوت عميق وواضح وبعيد في آن ،ركزت اكثر وطردت كل الافكار او حاولت كي تعرف ماذا سيقول هذا الصوت
قال
(سلام الله على الغرباء المرتحلين في الملكوت ،يبحثون عن عدلٍ تباطىء عنهم وقد ظنوه انقطع ،غير ان من وعدهم لا غدر في قلبه وليس لعهدٍ يقطعه الا الوفاء او الموت دونه ،سلام الله على قلوب آمنت وصدقت واتبعت الدرب الذي قد يصل بهم اليهم ،الى الحقيقة الواضحة ،لا خمار يحجبها ولا يغيبها باطل ،سلامٌ من الكون عدد ما دارت الافلاك وتغيرت الاقدار وثبتت الأوراق وتساقطت ،وعدد ما في المحيطات من مخلوقات هائمة لا تكشف عن نفسها الا لعالم او عارف او كلاهما ،سلام يا نور يا من تحملين بين يديك مفاتيح العناصر ،تصبينها وتخلطينها كما شاءت لك حكمة تملكينها وما تعرفت عليها بعد
أما البلورة يا ابنتي فهي لك وحدك لا تعمل في يد غيرك ولن تُفتح الا في المشيئة وقت الحاجة ،والحاجات ممرات وعرة يمنحنا اياها الكون ليسمع اصواتنا تعلو وتطلب وترجو والأهم ترضى بطريقها وتعبر بطريقتها
ستكملان هذا الدرب بأذن الله ،ما عليك الا العبور في مبالية بالمخلوقات الرقيقة التي وقفت في دربك ،هي عكس ما تقول لا تملك منعك أنتِ من المرور الى هدفك ،ستمنع غيرك وتضع شرطها وحكمها لكنها لا تملك عليك سلطة ولا تملك تجاهك قوة ،هي محاولة خبيثة لتعطيلك وسرقة الغصن ،فامنعيهم كما فعلت ِ وخير فعلتِ
حين تخرجين الى الفضاء القادم ،وان وجدت نفسك معلقة بين السماء والأرض لا تستندين على صلدٍ وثابت اهمسي للبلورة ان بسم الله وقوته امرك بإنقاذه ،عندها ستنفتح البلورة ويخرج لك طرف الغصن بورقة وحيدة ،وستُغلق مباشرة فاحرصي على التمكن من الطرف والورقة وانفخي عليهما من قلبك بنية الوصول ثلاثًا ،ستجدين الورقة تحتك على قدر ثقلك تحملك والغصن في وسطها بوزنها فآمنا ولا تخافي ،وستطير بك الى حيث تشائين ،هي وسيلة وانت دليلها لن تعرف اين تذهب بك ان لم تلمسي طرف الغصن وتقوديه ،اما باقي الاشياء وما يتعلق بها فساقوله لك وقت حاجته ،الآن وعند بزوغ الشمس اقفزي على الحجرة وستتوسع لك الكوة وتضيق بعدك فلا تتأخري ولا تأخذك الغفوة ،لا بد ان تعبرين عند أول شعاع ضوء والا فاتك الكثير…)

يتبع






التـوقيـع في مدار الرضا
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 21-09-2020, 04:08 AM
وِرْد وِرْد غير متواجد حالياً
ولسوف نعطيك فترضى
 
تاريخ التسجيل: Aug 2018
رقـم العضـويـة : 44569
الدولة: في السلام
الجـنــس : أنثى
المشاركات: 6,245
أعجبني: 8,404
تلقى إعجاب 7,883 مرة في 4,164 مشاركة
افتراضي

دقات قلب نور العالية يتردد صداها في أذنيها،حتى ان عرق الرقبة جهة مروان اخذ ينبض بجنون فأستيقظ من غفوته مستغربًا من نومه الذي سقط فيه مثل ميت وهو لا ينام عادةً بهذا العمق ،ولأول وهلة لم يتعرف الى هذا الذي يطرق رأسه ،لكنه بعد ثواني عرف انه تسارع قلب نور الذي ظهر في عرقها الأساسي وهنا سألها ما الخبر ،تمت بأن تقول له ،لكن شيئًا ما منعها ،كأنها أخذت على نفسها وعد بحفظ سر البلورة ،في ذاكرة قديمة لها ،صوت يشبه هذا الهاتف قال لها ،السر لا يكون الا في صدرك فإن تجاوزه لم يعد سرًا ،والغدر ياتي من طمع اقرب الناس بك ،مهما وثقتِ لا تقفلي الأبواب دونك ،لا تختبري وفاء من ترافقين وتصطفين ،وكوني معقل سر نفسك فإذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ،فصدر الذي يُستودع السر اضيق*

قالت لا شيء يا مروان انا جائعة جدًا ،وقد تبقى على بزوغ اول ضوء للشمس ما يقرب الساعتين ،واخشى ان تاخذني الغفوة من البرد والجوع ،لم لا نتحرك ونبحث عن بعض الطعام ،قال لها مروان

(ابقي انت بقرب الكوة آمنة وسأغيب قلبلًا وأنادي الخلد لعلي احضر لك بعض من العسل الذي أكلت منه في ذلك الكهف العلوي)

وافقت نور واخرج مروان جوهرته وسار على هدى ضوءها الاخضر الى داخل النفق ثانية ،ولا يعرف ان كان قد انحرف به المسار حين وجد نفسه في ساحة بها اشجار كثيفة خشى ان تكون المدخل الذي دخلوا منه الى النفق وتردد فهو لا يذكر انه كان قريب لهذه الدرجة ،لكنه نفق الأعاجيب وبينما هو واقف سمع حوارا بين صوتين
-هل سمعت يقولون ان العرافة عبرت الطريق
-لا لم تخرج من هنا بعد ،لم يأن اوانها
-كيف ذلك ،الهوام ومخلوقات الأجنحة الشفافة السحرية يقولون انها تملك البلورة
-هه،كيف ذلك،لا بد ان نسرع لنأخذ ثأرنا منها
-هل تظن اننا الآن وبعد كل هذه السنوات سنستطيع اخذ…
قاطعهما صوت قوي قائلًا
-في مطلع هذا الصبح تكمل السابعة عشرة وتستلم الهبة وتتوج عرافة دون ان تعرف ،تأخذها السحابة الى بحيرة الجبال الأربعة وتُمتحن وتُجاز هذه هي النبوءة لا شك ،وكرر بصوت عميق رهيب ،لا شك فلا تطمحا الى نظرها ولا بصيرتها ،لقد حُصنت وقُضي الأمر
-هه لا بد ان في جعبة العجوز ما سوف يعالج حرزها ويحرر طلسمها ويمكننا من ثأرنا
- ايها الاحمقان …

فجأة انقطع الحديث
شعر مروان بان قلبه يهبط بين رجليه من شدة الخوف ،كيف يتراجع الآن ،من هؤلاء اللذين يتحدثون عن نور ،ماذا يريدون ،التف على عقبيه ورفع الضوء بحذر شديد
بمجرد ان التفت لمعت احجار كثيرة بلون احمر متوقد بين اوراق الخمائل ،دقق النظر ولم يعرف ما هي ،اتكون جواهر اخرى ،لكن اجسادا خضر براقة اخذت تتقافز حوله وهي في حجمه او اقل قليلا ،التف حوله ثلاثة منها ،وحين رفع الحجر الاخضر في وجوههم تراجعوا ،ونظر لهم فإذا هم اشبه بالضفادع بل هم كذلك ،لونهم اخضر فاقع وعيونهم حمراء زاهية كأنها شعلة لهب صافية اول الحرق وقبل ان يتماوجها الازرق والاسود الرمادي

هل يتحدثون ؟ لا يزال خائفًا لكن حين رأى انهم مجرد ضفادع تحدث لهم

قال لهم (السلام على اهل الارض الطيبة)

ردت عليه الضفادع في هدير يحتوي الف صوت ربما دفعته مثل موجة بحر عظيمة
قال لهم انما جئت أطلب بعض الطعام لرفيقةٍ لي ،هل اجد لديكم ما تتفضلون به علي ؟ وهل بركتكم قريبة من هنا لعلكم تسمحون لي بصيد سمكة صغيرة او اثنتين

قال احدهم وكان اكبر واغمق من الباقي ويبدو انه شيخهم

(نحن ضفادع الشجر الارضية ،لا ندخل الماء ولا نسكنه ،لقد اذنبنا ذات طيش وحُرمنا الماء والضوء يا فتى ،عد الآن ادراجك واسمع نصيحتي طالما لم تأتي العجوز وادخل اول يسار لك وستنفذ)

تراجع مروان القهقرى وهو يرتجف بشدة ثم بدأ بالركض وهو يسمع احدهم يقول
(والله لاخبر العجوز بما فعلت)

يتبع






التـوقيـع في مدار الرضا
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الشبكة الليبرالية الحّرة هي شبكة ذات إدارة من مختلف الدول والأقطار بالعالم، وهي لا تمثل أو تتبع بأي شكل من الأشكال أي دولة عربية أو غير عربية، وعليه فإننا نؤكد أن جميع المشاركات تعبّر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الإدارة.
الساعة الآن 12:03 AM.


Hosting & Protection by: HostGator & Sucuri & CloudFlare
Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, JelsoftH Enterprises Ltd